النسيان الرقمي: كيف تحرم وسائل التواصل من نسيان الأخطاء

•

 12 min video

•

 7 min read

YouTube video ID: SkeDDFnlOE0

Source: YouTube video by أخضر — Watch original video

PDF

في العالم الرقمي، لا توجد توبة حقيقية؛ فالأخطاء التي ارتكبتها منذ سنوات قد تظهر فجأة وتدمر حياتك. هذا ما حدث لأماندا تود، المراهقة الكندية التي عانت من ظروف عائلية صعبة ولجأت إلى الإنترنت بحثًا عن التقدير والحب. أرسلت أماندا صورة شخصية لها، وتحولت حياتها إلى جحيم بعد أن استغلها رجل لمطاردتها وابتزازها على فيسبوك. استمرت معاناتها لثلاث سنوات، محاولة الهروب وتغيير المدارس، لكن الصورة كانت تلاحقها دائمًا. في 10 أكتوبر 2012، انتحرت أماندا، تاركة وراءها فيديو تقول فيه: "لم أعد أستطيع الثقة بأحد، أنا أعاني من القلق والاكتئاب".

أثارت هذه الحادثة نقاشات واسعة في كندا حول كيفية مكافحة التنمر والابتزاز والعنف الرقمي، وكيفية حماية الأطفال والمراهقين من المتحرشين الرقميين. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: لماذا لا يمكننا نسيان أخطائنا على وسائل التواصل الاجتماعي؟ ولماذا نسارع دائمًا للبحث عن فضائح وأخطاء أي شخص نريد إلغاءه أو السخرية منه؟ وهل يمكننا كبشر نخطئ أن نعيش حياة سوية بدون نعمة النسيان؟

هذا السؤال طرحته الكاتبة كيت إيكورن في كتابها "نهاية النسيان: التنشئة بين وسائط التواصل الاجتماعي".

صور محرجة وطفولة دائمة تحت الأضواء

تخيل أن لديك صورة محرجة من طفولتك، صورة لا تريد أن يراها أحد. في الماضي، كنت تستطيع إخفاءها أو تمزيقها. أما الآن، فصورك القديمة المحرجة موجودة على ملفك الشخصي، ويمكن لأصدقائك البحث عنها ومشاركتها، مما يحولها إلى مادة للسخرية.

الأمر لا يقتصر على الصور القديمة. ففي عصرنا الحالي، يولد الطفل ويقوم والداه بإنشاء حسابات له على وسائل التواصل الاجتماعي، وينشرون صورًا ومقاطع فيديو عنه حتى قبل أن يبدأ في الحبو. أصبحت "مدونات العائلة" (Family Vlogging) ظاهرة رائجة تحقق ملايين الدولارات، حيث يشارك الآباء كل تفاصيل حياة أطفالهم، من صور السونار إلى لحظاتهم الشخصية جدًا.

لكن وراء هذه المشاهد اللطيفة، هناك جانب مظلم ومرعب. يدفع الأطفال ثمن هذه الشهرة من نفسيتهم وأمنهم وخصوصيتهم. تُعرض أضعف لحظات الطفل لملايين المشاهدين. على سبيل المثال، قامت عائلة بعمل مقلب في ابنتهم الصغيرة في كذبة أبريل، وأخبروها أنهم سيبيعون كلبها، وصوروا انهيارها وبكاءها. وهناك آباء يصورون أطفالهم وهم في نوبات غضب بحجة تعليم الناس كيفية تهدئة الأطفال.

في قضية مأساوية، ألقت الشرطة القبض على أم تدعى ميشيل هاكني بتهمة إساءة معاملة الأطفال، حيث كانت تجوع أطفالها السبعة وتضربهم وتربطهم لإجبارهم على التمثيل في الفيديوهات.

يشير البروفيسور جون أوتس إلى أن هذا الاستغلال يسبب للأطفال إرهاقًا عقليًا وقلقًا ويدمر تقديرهم لذاتهم. يكبر الطفل وهو يشعر بأنه مراقب دائمًا، فيفقد هويته الشخصية وقد يسلك طريقًا خاطئًا.

مثال على ذلك بايبر روكل، التي تكسب نصف مليون دولار شهريًا من يوتيوب. قامت والدتها بتجميع فريق من الأطفال والمراهقين أطلقت عليه اسم "ذا سكواد" وأنشأت قناة على يوتيوب لتصوير يومياتهم وتحدياتهم. انتهى الأمر برفع 11 طفلًا من الفريق دعوى قضائية ضد الأم بتهمة الاستغلال والاعتداء وإجبارهم على تمثيل علاقات عاطفية وهمية لجذب المشاهدات. انتهت القضية بتسوية بلغت 2 مليون دولار، وأوقف يوتيوب أرباح القناة.

عندما بلغت بايبر 18 عامًا، فتحت حسابًا على منصة إباحية، بعد أن اعتادت أن تكون تحت الأضواء وأمام الكاميرات وتكسب من جذب الانتباه بأي طريقة.

فخ الطفولة الأبدية والنسيان النشط

في الماضي، كنت ترتكب أخطاء وكوارث في طفولتك ومراهقتك، وتتخذ قرارات غبية، وتتبنى أفكارًا طائشة، لكن الأيام كانت تمر، وعندما تكبر، تعقل، وينسى الناس. كان النسيان هو المساحة الآمنة للطفل ليخطئ بعيدًا عن أعين الناس ويبني ثقته بنفسه.

عندما يصور الأهل كل لحظة، خاصة لحظات الضعف والبكاء، فإن ذلك يربي عند الطفل قلقًا ويجعله يشعر بأنه ممثل مطلوب منه إرضاء الجمهور.

أما في مرحلة المراهقة، التي يسميها علم نفس النمو "مرحلة التجربة والخطأ"، يجرب المراهق أفكارًا وملابس وشخصيات مختلفة، ومن الطبيعي أن يتخلى عن هذه النسخ عندما ينضج. لكن وسائل التواصل الاجتماعي تجمد هويته لأنها توثق كل شيء، مما يمنعه من الانتقال إلى المرحلة التالية ويجعله سجينًا لنسخته القديمة.

لم تسرق وسائل التواصل الاجتماعي خصوصية ووقت وانتباه هذا الجيل فحسب، بل منعته أيضًا من حقه في أن يكبر وينسى.

يتحدث الدكتور مايكل أندرسون، عالم الأعصاب الإدراكي، عن مصطلح "النسيان النشط"، ويقول إن النسيان ليس عيبًا في الذاكرة، بل هو أداة حيوية للتحكم في العواطف. إذا لم نتمكن من النسيان، فلن نتمكن من تجاوز الصدمات.

تجعل وسائل التواصل الاجتماعي الدماغ في حالة استنفار دائم لأنه يجبر على مواجهة ماضيه طوال الوقت. لم تعد الأخطاء تُنسى، بل تُؤطر وتُؤخذ لقطات شاشة لها، وهذا ما يخلق حالة "المراهقة الأبدية"، جيل غير قادر على النمو والتغير.

لماذا ترفض الشركات التكنولوجية أن ننسى؟

إذا كانت الذكريات ضارة جدًا، وإذا كان النسيان نعمة مهمة لصحتنا النفسية وحياتنا، فلماذا ترفض الشركات التكنولوجية أن تتركنا ننسى؟ لماذا لا توجد طريقة سحرية لمسح ذكرياتنا الرقمية؟

نشر موقع "ماشابل" مقالًا مهمًا يتحدث عن واحدة من أقسى الخصائص التي اخترعها فيسبوك: خاصية "حدث في مثل هذا اليوم" أو "الذكريات". يسوق فيسبوك لهذه الخاصية على أنها شيء لطيف يعيدك إلى أجمل لحظاتك، لكن المقال كشف أن هذه الخاصية بالنسبة لملايين البشر هي عبارة عن حقل ألغام نفسي ينفجر في وجوههم كل يوم. فمن قال إن كل ذكرياتك التي نشرتها تريد تذكرها؟ ماذا لو ظهرت لك صور خطيبتك السابقة التي تحاول تجاوزها منذ سنوات، أو منشور عن صديق عزيز مات وتحاول التعايش مع غيابه، أو حتى رأي ساذج وكارثي كتبته وأنت مراهق طائش وتتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعك ولا يراه أحد مرة أخرى؟

المنصات لا تريد أن تمنحنا حق النسيان، ولا تتركنا ننسى بمفردنا، لأن هذا ببساطة يتعارض مع مصالحها ومصدر رزقها.

المقولة الشهيرة "إذا لم تدفع ثمن المنتج، فأنت المنتج" قديمة جدًا. لقد تجاوزت وسائل التواصل الاجتماعي هذه المرحلة منذ زمن ووصلت إلى مرحلة أخطر. يقول البروفيسور تيم وو إن عملة العصر الرقمي هي انتباهك ووقتك. تمنحك المنصة قيمة مجانية مثل التواصل والتسلية والفيديوهات، وتأخذ في المقابل خطف عينيك وعقلك لأطول وقت ممكن، ليس فقط من أجل الإعلانات، بل الأمر أبعد من ذلك.

تشرح الدكتورة شوشانا زوبوف نظامًا يسمى "رأسمالية المراقبة". الشركات لا تبيع اسمك ورقم هاتفك كما تعتقد، بل تأخذ "الفائض السلوكي" الخاص بك، أي حركات الماوس، المنشورات والفيديوهات التي توقفت عندها، تعليقاتك القديمة، وصورك المحرجة، وتدخلها في خلاط ذكاء اصطناعي لإنشاء نسخة منك يمكن التنبؤ بسلوكها. هذا يسمح لهم ببيع للمعلنين إجابات جاهزة لأسئلة مثل: "ماذا سيشتري فلان الأسبوع القادم؟" أو "ما هي الفكرة التي ستجعله يغير رأيه؟"

كما قال رائد التكنولوجيا والفيلسوف الرقمي جارون لانيه، المنتج الحقيقي ليس البيانات، بل هو التعديل التدريجي والخفي في سلوكك وإدراكك كإنسان. القيمة الحقيقية التي تدفع فيها الشركات مليارات لوسائل التواصل الاجتماعي هي قدرة هذه المنصات على برمجة عقولنا وتوجيهنا لقرارات معينة، سواء شراء منتج أو تبني رأي أو حتى كراهية شخص، دون أن نشعر إطلاقًا بأننا موجهون. هدفهم الحقيقي ليس بناء شبكة علاقات اجتماعية كما يضحكون علينا، بل هو شلال البيانات الذي لا يتوقف. حتى لو قررت إغلاق حسابك ومسح التطبيق، فلن يتركوك وشأنك.

حق النسيان: مقاومة الكابوس الرقمي

هل استسلمنا لهذا الكابوس؟ وهل تركت الناس هذه الشركات تنهش في ماضيها وتتحكم في مستقبلها دون مقاومة؟ لا، هناك من قرر المقاومة.

في إسبانيا، مر رجل يدعى ماريو كوستيخا بضائقة مالية في عام 1998، وتراكمت عليه الديون لدرجة أن بيته عرض للبيع في مزاد علني، ونشرت جريدة إسبانية إعلان المزاد. حل ماريو مشكلته وسدد ديونه، لكنه اكتشف بعد 10 سنوات أن أي شخص يبحث عن اسمه على جوجل، تظهر له أول نتيجة إعلان الجريدة عن المزاد والديون. أثر ذلك على سمعته وحياته، فطلب من جوجل حذف هذه النتيجة. رفضت جوجل، قائلة إنها مجرد محرك بحث. لكن ماريو لم يستسلم، ورفع قضية استمرت في المحاكم لسنوات، حتى أصدرت محكمة العدل الأوروبية في عام 2014 حكمًا تاريخيًا يلزم جوجل بحذف هذه الروابط. قالت المحكمة إن من حق الإنسان أن تُزال المعلومات القديمة وغير ذات الصلة بوضعه الحالي. ومن هنا وُلد قانون "حق النسيان".

بعد قصة ماريو، فُتح الباب. في عام 2019، هناك قصة مشهورة لجراحة هولندية توقفت عن العمل فترة بسبب خطأ طبي، ثم عادت لممارسة مهنتها بشكل قانوني وسليم 100%. لكن خبر إيقافها عن العمل ظل يطاردها، ولم تتمكن من فتح صفحة جديدة. فرفعت دعوى قضائية ضد جوجل وكسبتها.

عشرات القصص المشابهة هي التي أجبرت الاتحاد الأوروبي على إصدار أشرس قانون لحماية البيانات في العالم، وهو "اللائحة العامة لحماية البيانات" (GDPR)، الذي يلزم أي شركة تكنولوجية بحق المحو أو حق النسيان. هذا يعني أنه إذا طلبت من فيسبوك أو جوجل مسح بياناتك، فهم مجبرون قانونيًا على مسحها أو على الأقل إزالتها من نتائج البحث.

النسيان كعملية اجتماعية

في خضم كل هذه المعارك القانونية، هل سألت نفسك كيف ننسى أصلاً؟ النسيان لم يكن أبدًا قرارًا فرديًا. النسيان في الأساس هو عملية اجتماعية. نحن ننسى عندما ينسى الناس من حولنا ويتوقفون عن تذكيرنا. نتجاوز أخطائنا ونبدأ من جديد عندما يقرر المجتمع غض الطرف عن زلاتنا ويمنحنا فرصة ثانية. حينها فقط يمكننا التوبة عن أخطائنا.

لكن إذا عاش الإنسان وهو يدرك أنه في أي لحظة سيقوم أحدهم بالبحث عن أخطائه كلها ومعايرته بها، فكيف سيتوب ويصلح من نفسه؟ عندما يخطئ صانع محتوى ويعتذر، ومن المفترض أن تُطوى الصفحة، نجد مع كل فيديو جديد أو نجاح يحققه من يظهر له من العدم بلقطة شاشة قديمة ويرميها في وجهه، قائلًا: "نسيت عندما فعلت كذا؟" فتاة أخطأت في فترة مراهقتها وتابت وقررت تغيير حياتها، ومع كل بداية جديدة لها، نجد لجان التفتيش تنبش في ماضيها وتخرج صورها وأخطائها القديمة لتنشرها من جديد.

لذلك، نحتاج إلى مقاومة طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي التي تحرضنا على بعضنا البعض، ونرفض أن نكون لجان تفتيش في ماضي الناس، ونمنح بعضنا البعض مساحة آمنة لنخطئ ونتغير وننضج. لأنه إذا كانت الذاكرة الرقمية لا تنسى، فعلى الأقل يجب أن نتناسى الأخطاء.

  Takeaways

  • قصة أماندا تود تُظهر أن الأخطاء الرقمية لا تُمحى بسهولة وتستمر في ملاحقة الضحايا.
  • انتشار "مدونات العائلة" وفيديوهات الأطفال يخلق استغلالًا نفسيًا يضر بخصوصية الطفل وسلامته.
  • يُوضح مفهوم "النسيان النشط" أن القدرة على نسيان التجارب السلبية ضرورية للشفاء النفسي، لكن وسائل التواصل تمنعه.
  • تحتفظ الشركات التقنية بـ "الفائض السلوكي" وتستغله في بيع بيانات موجهة، مما يجعل حق النسيان مهددًا.
  • حكم محكمة العدل الأوروبية عام 2014 أسس "حق النسيان" وألزم محركات البحث بحذف معلومات قديمة غير ذات صلة.

Frequently Asked Questions

ما هو مفهوم "النسيان النشط" الذي ذكره الدكتور مايكل أندرسون؟

النسيان النشط هو عملية ذهنية يتيح فيها الدماغ حذف أو تقليل أثر الذكريات السلبية لتقليل الضغوط العاطفية، وفقًا للدكتور مايكل أندرسون، وهو ضروري لتجاوز الصدمات. بدون هذه القدرة، يبقى الفرد عالقًا في ماضيه وتستمر الضغوط النفسية.

لماذا ترفض شركات التكنولوجيا السماح بالنسى وفقًا للمقال؟

الشركات التقنية ترفض السماح بالنسى لأنها تعتمد على جمع "الفائض السلوكي" من بيانات المستخدمين لتوليد ملفات شخصية تُباع للمعلنين، مما يولد أرباحًا ضخمة من الإعلانات المستهدفة. حذف المعلومات يقلل من كمية البيانات المتاحة للتحليل ويهدد نموذج أعمالها القائم على مراقبة السلوك.

من هو أخضر على يوتيوب؟

أخضر قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.

هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟

نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.

Helpful resources related to this video

If you want to practice or explore the concepts discussed in the video, these commonly used tools may help.

Links may be affiliate links. We only include resources that are genuinely relevant to the topic.

Full transcript is not shown on this page

This page focuses on the summary and original notes. For full verification, refer to the original YouTube video.

PDF