محمود طه: مؤسس الحزب الجمهوري والفكرة الإسلامية
الاسم: محمود محمد طه. المهنة: مهندس.
نشأة محمود محمد طه وبداياته
ولد محمود محمد طه يتيمًا في قرية هجلي بالقرب من مدينة رفاعة، ونشأ في بيئة أقرب إلى حياة القرية منها إلى حياة المدينة. تمكن من إكمال تعليمه حتى التحق بكلية غوردون التذكارية في الخرطوم. في عام 1936، عُين في مصلحة سكك حديد السودان، التي أنشأها الحكم الثنائي الإنجليزي المصري في أوائل القرن العشرين، وجعل مقر رئاستها في مدينة عطبرة شمال السودان.
في عطبرة، المدينة التي ارتبط اسمها بنشأة الحركة النقابية السودانية، انخرط محمود محمد طه في نشاطات نادي عطبرة التابع لرئاسة السكك الحديدية. رفض سيطرة الإنجليز على إدارة النادي، مؤكدًا أنه للسودانيين. في عامي 1936 و1937، أحدث ثورة أدبية كبيرة في النادي، مطالبًا بأن تكون اللجنة منتخبة وألا يكون للإنجليز إشراف عليه.
مؤتمر الخريجين والاستقالة
في عام 1938، بدأ ما عُرف في السودان بمؤتمر الخريجين، الذي ضم نخبة المتعلمين السودانيين الذين بدأوا في مناهضة الاستعمار البريطاني والمطالبة بجلاء الاستعمار من السودان. بعد نشأة هذا المؤتمر، زادت حيوية النشاطات السياسية والثقافية في نادي عطبرة. ردًا على ذلك، قامت رئاسة السكك الحديدية بنقل المهندس محمود إلى مناطق مختلفة في أنحاء السودان. ومع تكرار النقل بين المدن، قرر المهندس محمود تقديم استقالته في أواخر عام 1941.
تأسيس الحزب الجمهوري
في منتصف الأربعينات، ظهرت الأحزاب السياسية في السودان، وانقسمت الحركة السياسية السودانية إلى فئتين: 1. الحركة الاستقلالية: طالبت بجلاء الإنجليز والمصريين من السودان وحكم السودانيين لأنفسهم، وتبلورت هذه الحركة تحت قيادة السيد عبد الرحمن المهدي، زعيم طائفة الأنصار. 2. الاتحاديون: نادوا باتحاد السودان مع مصر ليصبح جزءًا من التاج المصري.
كان كلا الشقين الكبيرين يدعوان إلى نظام ملكي. في المقابل، دعا الأستاذ محمود إلى نظام جمهوري وغير طائفي منذ البداية. لاقى هذا الموقف قبولًا لدى عدد من المثقفين السودانيين، فاتفقوا في الثالث من أكتوبر عام 1945 على تأسيس حزب برئاسة محمود محمد طه يحمل اسم "الحزب الجمهوري"، كأول حزب سياسي يطالب بجلاء الحكم الثنائي وإعلان الحكم الجمهوري.
أصدر الحزب بيانه الأول، الذي أطلق عليه "السفر الأول"، وتضمن دستوره وأغراضه وسياسته العامة. مع إعلان مبادئ الحزب، انتشر أعضاؤه في توزيع المناشير التي تحرض الشعب السوداني على التحرك ضد الاستعمار الإنجليزي.
الاعتقال الأول وثورة رفاعة
في عام 1946، اعتقل الإنجليز رئيس الحزب، المهندس محمود، وقدموه للمحاكمة ليحكم عليه بالسجن بعد رفضه التعهد بعدم ممارسة العمل السياسي. بهذا الاعتقال، كان محمود أول سجين سياسي منذ ثورة 1924. في السجن، وُضع في الحبس الانفرادي، فدخل في عبادة صوفية عبر ممارسته للصيام الصمدي المتواصل.
بعد 50 يومًا من اعتقاله واستمرار صيامه الصمدي، اضطر الحاكم العام إلى إطلاق سراحه. استمر محمود في مقاومته وتحريضه للشعب ضد الإنجليز، وخاض ضدهم ما عُرف بـ "ثورة رفاعة".
في عام 1946، أصدر البريطانيون قرارًا بمحاكمة أي امرأة تخضع ابنتها للختان الفرعوني. وبالفعل، قُبض على امرأة في مدينة رفاعة وسُجنت. ذهب الأستاذ محمود إلى المسجد يوم الجمعة وألقى خطبة قوية استنهض فيها الناس. رأى أن عادة الختان الفرعوني، وإن كانت سيئة، لا يجب محاربتها بالقوانين بل بالتنوير والتعليم والاقتناع. اعتبر أن الغرض الحقيقي للإنجليز من إثارة هذا الموضوع هو إظهار السودانيين للعالم كهمجيين لا يزالون يمارسون عادات بدائية، ردًا على الحركات الوطنية.
لذلك، قاد ما سُمي بـ "ثورة رفاعة"، حيث عبروا النيل الأزرق بالمراكب وأحاطوا بمركز الشرطة البريطاني في المدينة المقابلة لرفاعة، وأعادوا المرأة إلى منزلها. بعد ذلك، أحاطت القوات البريطانية بمدينة رفاعة، وتم اعتقال الأستاذ محمود محمد طه وتقديمه للمحاكمة وإيداعه السجن.
الخلوة والتحول الفكري
عاد محمود إلى السجن مرة أخرى، وشكل هذا السجن منحنى تحول في حياته، حيث عكف على الصيام الصمدي والعبادة المتواصلة والتفكر والتأمل. مع نهاية حكم السجن وإطلاق سراحه، عزل نفسه عن العالم ودخل في خلوة مع نفسه في رفاعة لمدة ثلاث سنوات، وخرج في عام 1951.
بعد خروجه من الخلوة، عزم محمود على تغيير مسار حياته ومسار حزبه الجمهوري، وتوقع الكثير من الخصومة والغربة. أعد وصية سلمها لزوجته آمنة في عام 1951. تحولت الحركة من حزب سياسي إلى دعوة، وأصبح هناك مشروع بعث إسلامي. كتب الأستاذ كتابه "قل هذه سبيلي"، الذي بدأ يظهر بعد عام 1951.
حركة الإخوان الجمهوريين
تحولت الحركة من الحزب الجمهوري إلى حركة "الإخوان الجمهوريين". كان الاهتمام الرئيسي للأستاذ محمود هو قضية التربية والأخلاق. لذلك، أُنشئت بيوت الإخوان الجمهوريين، التي كانت بمثابة مدارس يعيش فيها الشباب بمستوى من البساطة والزهد. اعتمد هذا المجتمع على علاقة تربط بين الشاب الذي أصبح تلميذًا وبين المهندس الذي أصبح أستاذًا. كانت هذه العلاقة تقوم على التسليم والطاعة، حيث يرى التلميذ شيخه كشخص راشد يمزجه ويغسله ويكيفه ويشكله.
اعتمدت هذه الحركة التربوية الناشئة في تربية شبابها الجدد على أساليب التصوف القائمة على العبادة والصلاة والتفكر والذكر الجماعي والنشيد العرفاني. كان الأستاذ محمود يرى أن إنشاد كلام العارفين يغير داخل الإنسان وينور قلبه ويحقق قيمًا لطيفة.
الرسالة الثانية من الإسلام
مرت الأيام واستمر محمود محمد طه بتربية شباب حزبه ومجتمعه على الفكر الجمهوري ونشر أفكاره ودعوته بين السودانيين. عمل في مراحل مختلفة من الاستعمار الإنجليزي والجلاء والاستقلال عام 1956 وتشكيل الحكومات الوطنية في الديمقراطية الأولى وما تبعها من الانقلاب العسكري الأول عام 1958 بزعامة إبراهيم عبود الذي انتهى حكمه بثورة شعبية في 1964 وعودة الحياة الديمقراطية من جديد للحياة السياسية السودانية. طوال هذه الفترة، استمرت الدعوة وحركة التأليف والنشر للفكر الجمهوري.
تشكلت عدة خصومات واختلافات مع تيارات سياسية ودينية، إلا أن كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" شكل ذروة الصراع بين محمود والجمهوريين من جهة، وبين تيارات الإسلام السياسي والمحافظ من جهة أخرى.
في منتصف الستينات، أخرج الأستاذ كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام"، الذي تضمن منهجه في تطوير التشريع والبعث الإسلامي ومنهج العبادة. هذا الكتاب شكل مرحلة جديدة في فكر محمود محمد طه، بنى عليه منهجه في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وشكل لبنة وأساس دعوته الجمهورية.
يرى محمود في كتابه أن في الإسلام رسالتين: * رسالة أصول: تقوم على الحرية والمساواة والديمقراطية. * رسالة فروع: تقوم على الوصاية والإكراه.
دعوته الأساسية تقوم على الفصل بين القرآن المكي والقرآن المدني، وأنه يجب الأخذ بالقرآن المكي لأنه يتكلم عن العقيدة وفيه حرية الفكر والتسامح، وليس فيه حدود.
الانتقادات الموجهة لفكر محمود محمد طه
لم تلق هذه الفكرة في الفصل بين القرآن المكي والقرآن المدني، وأن في الإسلام رسالتين، ترحيبًا لدى العديد من خصوم فكر محمود. وُجهت وما زالت توجه إليه انتقادات شديدة من قبل العديد من العلماء، كان من أبرزهم الأستاذ شوقي البشير المتخصص في الفرق الباطنية ونقد الفكر الجمهوري.
من أبرز الانتقادات: * وحدة الوجود المادية: التي تجعل الحق سبحانه وتعالى مادة الأشياء. * الرسالة الأحمدية والمحمدية: زعم محمود أن الإسلام رسالتان، رسالة محمدية ورسالة أحمدية. وذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء برسالة أحمدية، ولكن الصحابة لم يستطيعوا استيعابها، فنزل بهم إلى مستوى الرسالة المحمدية. ويرى خصومه أنه يعتبر نفسه صاحب الرسالة الأحمدية. * إسقاط التكاليف الشرعية: اتهمه البعض بإسقاط التكاليف الشرعية، مثل الصلاة ذات الحركات، وزعم أنه يصل إلى مرحلة يأخذ فيها صلاته من الله مباشرة دون واسطة. * الزكاة والحج: زعم أنه لا يزكي الزكاة ذات المقادير، بل يعتمد على قول الله عز وجل "خذ العفو"، ويطوف حول قلبه بدل الحج إلى البيت الحرام.
مواقف محمود محمد طه السياسية والاجتماعية
لم تكن أفكار محمود مجردة من انعكاسات على مواقفه وآرائه، وفي المقابل على رد فعل خصومه. ففكرة الرسالة الثانية شكلت أساسًا للموضوعات التي نادى بها محمود وبنى فيها آراء ومواقف مغايرة لعلماء تلك الفترة.
من أبرز هذه الانعكاسات: * المساواة للمرأة: نادى بالمساواة الشاملة للمرأة في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأعطاها في رأيه ما لم تعطه لها الشريعة في الرسالة الأولى. رأى أن حظ المرأة في الشريعة الإسلامية "مبخوس"، فهي على الربع من الرجل في النكاح وعلى النصف من الرجل في الميراث. * تطوير شريعة الأحوال الشخصية: كتب كتابًا بعنوان "تطوير شريعة الأحوال الشخصية"، دعا فيه إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية. في هذا الكتاب، تحدث عن "خطوة نحو الزواج في الإسلام"، حيث يتم الزواج ببساطة شديدة، ويكون المهر رمزيًا، وتتنازل المرأة عن الحقوق المادية مقابل الحقوق الإنسانية مثل شرط عدم التعدد وشرط التفويض. كما تحدث عن "الزواج الحقيقي في الإسلام"، الذي لم يطبق حتى في حياته. * الشريعة الفردية: نادى بالشريعة الفردية كأصل، وأن الشريعة الجماعية ليست أصلًا. فالإنسان في رأي محمود يصل لمرحلة يتلقى بها تكاليفه بشكل أصيل ومباشر. * العلاقة مع إسرائيل: دعا بعد هزيمة 1967، وفي خضم لاءات الخرطوم الثلاث، إلى ضرورة الاعتراف بإسرائيل والقبول بتسوية سلمية معها. وضع شروطًا للسلام، منها انسحاب إسرائيل من أراضي 1967 و1956 و1948، والعودة إلى قرار التقسيم الأول، وإعادة المهجرين الفلسطينيين إلى أرضهم وتعويض من لا يرغب في السكن في منطقته القديمة.
محاولة إسكات صوته ومحاكمة الردة
دفعت كل هذه المواقف والآراء خصومه ومعارضيه لمحاولة إسكات صوته ومنعه من نشر فكره. تم استهدافه شخصيًا عبر اتهامه بالردة وتقديم طلب لمحاكمته في محكمة الاستئناف الشرعية العليا عام 1968.
في 18 نوفمبر 1968، أخذ الأستاذ محمود إلى محكمة الردة. رفض المثول أمام المحكمة، معتبرًا أنها تعمل خارج دائرة اختصاصها. حكمت المحكمة غيابيًا بأنه مرتد عن الإسلام، وأمرته بالتوبة من جميع الأقوال والأفعال التي أدت إلى ردته.
انقلاب مايو والمصالحة الوطنية
في هذه الأجواء المشحونة، جاء انقلاب مايو 1969 بقيادة جعفر نميري، ليضع حدًا مؤقتًا لهذا الصراع. رأى الأستاذ محمود أن انقلاب مايو جاء في لحظة حاسمة، وأيد الجمهوريون نظام مايو في البداية، واعتبروا أن البديل عن مايو هو "الهوس الديني".
مع غياب الخصوم الأساسيين للجمهوريين بسبب فتك وتشريد نظام مايو لهم، وجد الجمهوريون الساحة أمامهم خالية من أي منافس أو خصم، مما زاد من تحركهم ونشاطهم ليشمل كل أجزاء السودان من خلال حركة الوفود التي كانت تهدف لنشر الفكر الجمهوري. صاحب هذه الحركة حملات نشطة في توزيع الكتب في شوارع المدن المختلفة ومعارض الجمهوريين المنتشرة في أرجاء السودان.
في عام 1977، تفاجأ الجمهوريون بإعلان المصالحة الوطنية عبر اتفاق بورتسودان. عاد خصوم الفكر الجمهوري للواجهة من جديد، ودخلوا هذه المرة في شراكات سياسية مع نظام مايو. لم يعترض الأستاذ محمود والجمهوريون على المصالحة، بل أصدروا كتابًا بعنوان "صلح خير".
قوانين سبتمبر ومحاكمة الإعدام
مع هذا الواقع الجديد، ظهرت ساحات جديدة في مواجهات الجمهوريين مع خصوم دعوتهم، اعتمدت على الجدال والمواجهة والنقاشات العامة أمام الجميع، وكانت ميادين وساحات الجامعات السودانية هي أركان هذه النقاشات.
لم تنته مخاوف الجمهوريين عند حدود عودة الخصوم، بل تحققت أخطر مخاوفهم على الإطلاق، فنظام مايو بزعامة جعفر نميري بدأ يتبنى التفكير الديني ويسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية. شكل لجنة تعديل الدستور التي باشرت أعمالها في عام 1978 لتخرج في سبتمبر عام 1983 بقوانين الشريعة التي صادق عليها جعفر نميري وتوعد كل من يعارضها بالتهديد والوعيد.
لم يقف محمود محمد طه صامتًا أمام هذه القوانين، فانطلق يعلن معارضته ورفضه لها وخطورتها على المجتمع وعلى وحدة السودان، ونفى صفة الإسلام عنها، فأطلق عليها "قوانين سبتمبر". نفذ النظام وعيده فاعتقل محمود محمد طه وتلامذته.
بعد فترة من الاعتقال، أعلن نميري عن إقامة محاكم الطوارئ. كان الأستاذ يقول لهم إن هذه شريعة يطبقها الأغنياء المترفون على الفقراء الجياع. بعد إطلاق سراحه في ظروف غامضة، أصدر منشورًا بعنوان "هذا أو الطوفان"، يتحدث عن تطبيق القوانين الإسلامية وأنها تنفر الناس عن الدين.
تم اعتقاله مرة أخرى وتقديمه للمحاكمة بتهمة تقويض النظام وتهديد أمن الدولة. في المحكمة، رفض الأستاذ محمود أن يدافع عنه المحامون، معتبرًا أن هذه ليست محاكم حقيقية. أعلن رأيه مرارًا في قوانين سبتمبر 1983، مؤكدًا أنها مخالفة للشريعة الإسلامية وللإسلام، وأنها شوهت الشريعة وشوهت الإسلام ونفرت عنه.
رفعت المحكمة الجلسة، وفي اليوم التالي أصدرت حكمها بالإعدام شنقًا حتى الموت، مع إعطائهم الحق في التوبة والرجوع عن دعوتهم. كان الأستاذ مبتسمًا ابتسامة عريضة عندما صدر الحكم.
محكمة الاستئناف وتنفيذ الحكم
تم تحويل القضية إلى محكمة الاستئناف الخاصة، التي أيدت حكم الإعدام على محمود محمد طه، وأضافت أنه لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وتكون أمواله فيئًا للمسلمين. كما أيدت الإدانة والعقوبة على المحكوم عليهم الأربعة الآخرين بالإعدام شنقًا حتى الموت، مع إمهالهم شهرًا كاملًا للتوبة. واعتبرت جماعة الجمهوريين طائفة كافرة ومرتدة، وأمرت بمصادرة كل كتب ومطبوعات محمود محمد طه والجمهوريين ومنع تداولها وطبعها، وحظر نشاط وتجمعات الجمهوريين.
لم يذهب الملف إلى المحكمة العليا، بل أُخذ مباشرة إلى نميري، الذي أيد الحكم بالإعدام. في صباح يوم التنفيذ، تم إحضار الأستاذ محمود إلى المشنقة، وكان مبتسمًا. بعد تنفيذ الحكم، تم نقل جثمانه بمروحية إلى مكان مجهول غرب أم درمان، ودفن هناك دون تكفين.
تراجع الأربعة الآخرين وسقوط مايو
أما بقية المحكومين الأربعة، فقد اتفقوا على التراجع عن مواقفهم، وكتبوا تنازلًا قدموه لمأمور السجن، الذي رفعه لجعفر نميري. تمت "مهزلة الاستتابة"، حيث تم إحضارهم مقيدين بملابس السجن أمام العلماء، وأعلنوا توبتهم ورجوعهم عن العمل في حركة الإخوان الجمهوريين، وأقروا بأن محمود محمد طه كان كافرًا ومرتدًا.
لم يمض على إعدام محمود محمد طه سوى أشهر قليلة حتى قامت انتفاضة شعبية ضد النظام، أسفرت عن سقوط نظام مايو بدعم من الجيش السوداني. مع سقوط مايو، تكشفت أوراق جديدة في قضية المحكمة.
إلغاء الحكم وإرث محمود محمد طه
بعد سقوط نميري، تكونت لجان قانونية لفحص ملفات القصر والملفات القضائية، ووجدوا مستندات مخيفة، منها مستند كتبه مستشار الرئيس نميري، مرفقًا بمنشور يقول فيه: "وجدنا ما كنا نبحث عنه عن الكافر الذي يجب...".
شجعت هذه الأوراق المحامي طه، بتكليف من أسماء محمود طه، بتقديم طعن للمحكمة الدستورية، أعلى هيئة قضائية في السودان، يطعن خلاله بمحاكمة محمود وكل ما رافقها من إجراءات وأحكام. ألغت المحكمة الدستورية المحاكمة وكل إجراءات الاستتابة والمصادرة، وتم إسقاط تهمة الردة عن محمود محمد طه قانونيًا.
رغم ذلك، استمر الجدل الدائر حول ردته بين السودانيين. يرى البعض أن عقيدة محمود محمد طه فاسدة، وأنه ينكر معلومًا من الدين بالضرورة، مما يخرجه من الملة الإسلامية. بينما يرى آخرون أن دعوته مسالمة وتدعو للإقناع والاقتناع، ولا يجب تكفيره.
يعتقد البعض أن محمود محمد طه اغتيل اغتيالًا سياسيًا، وأن نظام مايو قتله عندما قال قولته المشهورة إن نظام مايو نظام فاسد مهترئ.
يرى مؤيدوه أن فكره لا يزال حيًا، وأن كتبه ومحاضراته تنتشر، وأن تلامذته يعملون في المنظمات الدولية ويتحدثون عن أفكاره. يعتبرونه ملكًا للبشرية جمعاء، وليس وقفًا على تلاميذه أو على السودان أو على الإسلام والمسلمين. عاش محمود محمد طه حياة بسيطة وزاهدة، ولم يتملك الأراضي أو البيوت، وظل يعيش فقيرًا وسط أحياء الفقراء إلى أن لقي ربه. منزله البسيط المبني من الطين أصبح مركزًا ثقافيًا مفتوحًا للشعب السوداني.
Takeaways
- ولد محمود محمد طه يتيمًا في قرية هجلي وتدرّج في التعليم حتى التحق بكلية غوردون في الخرطوم ثم عمل في مصلحة سكك حديد السودان.
- في عام 1945 أسس طه الحزب الجمهوري، أول حزب يطالب بإعلان الحكم الجمهوري وإزالة الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري في السودان.
- بعد اعتقاله عام 1946، قاد طه "ثورة رفاعة" ضد سياسات الإنجليز، واستخدم الصوم الصمدي كوسيلة روحية خلال سجنه.
- طه قدّم مفهوم "الرسالة الثانية من الإسلام" التي تفرق بين القرآن المكي (حرية ومساواة) والقرآن المدني (تطبيقات تشريعية)، مما أثار جدلاً واسعًا بين العلماء.
- على الرغم من إعدامه في 1983 وحكم الردة، ألغت المحكمة الدستورية الحكم بعد سقوط نظام مايو، ولا يزال فكره يؤثر على بعض الحركات السودانية حتى اليوم.
Frequently Asked Questions
ما هو مفهوم "الرسالة الثانية من الإسلام" الذي طرحه محمود طه؟
الرسالة الثانية من الإسلام هي فكرة طرحها طه تفصل بين القرآن المكي الذي يركز على الحرية والمساواة والديمقراطية، والقرآن المدني الذي يختص بالتشريعات والضوابط الاجتماعية. يرى طه أن القرآن المكي هو الأساس الحقيقي للإيمان ولا يجب خلطه بالقرآن المدني.
كيف أثرت "قوانين سبتمبر" على موقف محمود طه السياسي؟
قوانين سبتمبر التي أقرها نظام مايو في 1983 فرضت شريعة إسلامية صريحة على المجتمع، ورآها طه انتهاكًا للقرآن المكي ومخالفةً لمبادئه الجمهورية. لذلك أعلن معارضته الصريحة، مما أدى إلى اعتقاله ومحاكمته بتهمة الردة وإصدار حكم الإعدام ضده.
من هو Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية على يوتيوب؟
Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.
هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟
نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.