محمد الدغباجي: قصة مقاومة جنوب تونس للفرنسيين
تبدأ القصة من التاريخ، من حكايات يرويها الشايب لأحفاده، قصة صقر وصياد، نفس عزيزة حرة، لا تسلم أبدًا.
غزو الشمال التونسي ومقاومة الجنوب
بعد نجاح الفرنسيين في غزو شمال البلاد التونسية بجيوشهم المتمركزة في الجزائر، توجهوا إلى مناطق الوسط التونسي ثم إلى مناطق الجنوب. عُرف الجنوب التونسي بمقاومته للاحتلال، وواجه الاحتلال صعوبة كبيرة في إخضاع القبائل المتمردة والمتمرسة بشظف العيش والترحال.
من الأسباب الرئيسية التي دفعت هذه القبائل لمقاومة الاستعمار هو تقييد حركتها. في نهاية القرن التاسع عشر، قسم الفرنسيون البلاد التونسية إلى نصفين: - النصف الشمالي: من قابس فما فوق إلى بنزرت، وتحكمه المراقبات المدنية. - النصف الجنوبي (التراب العسكري): تحكمه القيادات العسكرية الفرنسية، التي عُرفت في البداية بمكاتب الاستعلامات ثم مكاتب الشؤون الأهلية، وكان الأهالي يسمونهم "رواد عرب".
كان أهل التراب العسكري مجندين رغماً عنهم، ومطالبين بأداء التحية للمستعمر. أي شخص يعترض ضابطاً عسكرياً كان عليه أن يؤدي التحية، وإلا عوقب بعقوبات قاسية تتجاوز القيم الإنسانية. كانت معاملة ضباط الشؤون الأهلية قاسية، وتدخلوا في كل شيء. كانت حملات التفتيش مستمرة، ومنعوا الأهالي من وضع الرايات الوطنية في دكاكينهم، وتمزيق أي علم تونسي يُعثر عليه.
القبائل المقاومة
اشتهرت ثلاث قبائل كبرى بنزعتها إلى العنف ومقاومتها: - قبائل ورغمة - قبائل الهمامة - قبائل بني يزيد
هذه القبائل متجاورة، مما زاد من تدافعها.
قبيلة بني يزيد
بنو زيد هم فخذ من بني سليم دخلوا البلاد التونسية إثر الهجرة الهلالية. هي قبيلة شبه رعوية، تمزج بين الاستقرار في الواحة صيفاً وخريفاً، والترحال للرعي بقية فصول السنة. اشتهرت هذه القبيلة بكونها قبيلة محاربة بامتياز، وكل من أراد الفرار من ثأر أو قبيلة كان يلجأ إليها، ولذلك سميت "بني يزيد" لأن فرسانها يزدادون دائماً.
أبناء هذه القبيلة يدركون جيداً معنى حمل السلاح والفروسية. أولاها الفرنسيون اهتماماً كبيراً، وكادت تضم إلى التراب العسكري، لكنها أُخضعت لاحقاً للمراقبة المدنية بقابس، مع معاملة خاصة خوفاً من تمردها.
محمد بن صالح الدغباجي
في هذا الإطار من الانتماء والتراث، نشأ محمد بن صالح الدغباجي الخريجي، المولود عام 1885، أي بعد أربع سنوات من انتصاب الحماية الفرنسية في تونس.
اقتصر تعليم الدغباجي على حفظ بعض آيات القرآن وفك رموز بعض الحروف، ولم يتلق تعليماً يمكنه من القراءة والكتابة. نشأ في حامة قابس، في غابة النخيل، يرعى الأغنام ويعيش حياة متقشفة وصعبة. أقصى طموح لطفل في وادي الزيتون (منطقة ولادته) كان أن يكون راعياً جيداً ويؤمن قوت أسرته. هذه الحياة البدوية جعلت الدغباجي يتمرس بصعوبة العيش، ونشأ في منظومة قيمية تقوم على الأنفة والعزة ورفض الظلم، ضمن قبيلة يحمي بعضها بعضاً.
كانت قبيلة بني يزيد قبيلة مخزنية، توفر فرسان المخزن للسلطة الحسينية. حاول الفرنسيون الاستفادة من مزايا هذه القبيلة وتجنيد أبنائها. بينما كان شباب المنطقة العسكرية يُعفون من التجنيد، كان شباب بني يزيد وقابس يُجندون لمدة ثلاث سنوات. من بينهم جُند محمد بن صالح الدغباجي عام 1907.
بعد خروجه من الجندية، حاول العودة إلى حياته الطبيعية، وتزوج. لكن بسبب الحاجة، عاد متطوعاً إلى الجندية عام 1913. في ذلك الوقت، دفعت العديد من القبائل أبناءها إلى الجندية لضمان التدريب والسلاح. عمل الدغباجي ضمن الجنود الذين يحرسون الحاميات الفرنسية في المناطق الحدودية التونسية الليبية. تمكن من العودة بسهولة للجيش الفرنسي لأنه عُرف في خدمته الأولى بمهارته في الرماية وفنون الحرب. كان يتمتع بصفات الرجولة والشجاعة والإقدام ودقة الرماية، حتى أن أحد الشعراء وصفه بأنه يصيب العدو في الجبهة "بين الحاجب والطاقية".
امتدت خدمته من 1913 إلى 1915، وهو تاريخ انسلاخه من الجيش الفرنسي وهو متواجد في جهة تطاوين.
الثورة والانسلاخ عن الجيش الفرنسي
أصبحت الأوضاع مهيأة في التراب العسكري بعد انتفاضة الليبيين ضد الغزو الإيطالي، مما خلق ظروفاً ملائمة لانتفاضة مناطق أقصى الجنوب. كانت هذه المناطق تعاني من انتهاكات فرنسية كبيرة، خاصة مع الحشود العسكرية الفرنسية الكبيرة الموجهة للمنطقة العسكرية خوفاً من لجوء الثوار الليبيين إلى التراب التونسي.
منذ عام 1911، التحق العديد من الشباب التونسي بالمقاومة، وتواصلوا مع أهلهم في الحامة، واتصلوا بالشيخ سعيد بن عبد اللطيف الدبابي. عُرفت هذه الثورة بثورة أولاد دباب أو ثورة أقصى الجنوب الشرقي التونسي، وتزامنت مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1915. خلال الحرب، صدر نداء من إمامة الأستانة (الأتراك) للدخول في الحرب المقدسة ضد القوى الاستعمارية في العالم العربي والإسلامي.
في خضم هذه التطورات العنيفة، اضطرت فرنسا لجلب تعزيزات كبيرة. وجد محمد الدغباجي نفسه يقاتل أبناء عمومته، فلم يرضَ بذلك. بدأت بذرة الرفض تتكون لديه بسبب ما شاهده من عنف شديد تجاه الثوار وعائلاتهم. تحدث الدغباجي لاحقاً في رسائله إلى عامل الأعراض عن أن سبب تمرده عن الجيش الفرنسي كان المعاملة القاسية والظروف الصعبة في الثكنات الفرنسية.
عزم الدغباجي على الفرار من الجندية عام 1915. تزامنت هذه الأحداث مع بروز اسم كبير في المقاومة الليبية على الحدود مع التراب العسكري في الجبل الغربي الليبي، وهو خليفة بن عسكر. كان الناس يتناقلون أخبار بطولات خليفة بن عسكر ضد الإيطاليين بإعجاب شديد.
انضم الدغباجي مع أربعة من رفاقه الذين فروا معه إلى خليفة بن عسكر النالوتي، وبدأوا يهاجمون الحصون الفرنسية التي كانوا يدافعون عنها. لم يكن له شأن قيادي كبير في البداية، لكنه كان من أهم من اعتمد عليهم خليفة بن عسكر. هذه الفترة كانت مهمة جداً في تاريخ تمرد الدغباجي، حيث صنعت منه صورة المتمرد بالقوة. اشتهر بشجاعته ودقة تصويبه وخبرته العسكرية، مما جعله مقرباً من خليفة بن عسكر. استفاد الدغباجي من معرفته بالجيش الفرنسي والمخازنية، وأصبح له شأن حتى أن خليفة بن عسكر جعله ممثلاً لقبائل بني يزيد في مجلسه.
كان الدغباجي من مؤسسي فكرة حرب العصابات، الحرب الخاطفة والسريعة والفعالة التي تستنزف العدو. كان الثوار يختارون توقيت المعركة، ويعتمدون أسلوب الاستنزاف، ويحددون عدد الثوار (لا يزيد عن 10) لتنفيذ المخطط ثم الفرار في اتجاهات مختلفة لتصعيب الملاحقة. كانت المعارك عبارة عن مناوشات بين المقاومين وحراس الحدود (المخازنية والصبايحية والجومية).
من أبرز المعارك الكبرى في الجنوب الشرقي معركة رمثة، لكن الدغباجي لم يشارك فيها. شارك في المعركة التالية التي وقعت بين 2 و 9 أكتوبر 1915 في منطقة أم سويغ. هذه الحادثة اختلفت جوهرياً، حيث امتدت لأسبوع، ولم تعد حرباً خاطفة بل حصاراً. سجلت المقاومة فيها انتصاراً كبيراً، وسقط العديد من القتلى من الجيش الفرنسي. ذكر القائد الفرنسي للحامية العسكرية في أم سويغ في تقريره أن الثوار كانوا يطلقون وابلاً من الرصاص تحت زغاريد النسوة. ارتبطت هذه الواقعة بمشاركة المرأة، وذكر القائد الفرنسي "مبروكة اللبة" التي كانت تعمر المكحلة لوالدها، وعندما أصيب والدها، تولت هي عملية الثورة وأخذت مكانه.
تواصل هذا التحرش من قبل خليفة بن عسكر ومحمد الدغباجي حتى عام 1919، عندما توصلت السلطات الفرنسية إلى عقد اتفاق صلح مع خليفة بن عسكر النالوتي. عندها، اضطر محمد الدغباجي للانفصال عن رفيق دربه وقرر العودة إلى تونس عام 1919.
العودة إلى تونس والمواجهات
صدر فرمان عفو عن كل من شارك في التمرد، ودعا القبائل التي نزحت إلى ليبيا بالعودة مطمئنة، وقد عفا عنها الباي، باستثناء الفارين من الجندية. لم تكن السلطات العسكرية الفرنسية ترغب في العفو عن المجندين المنشقين، لأنها كانت تعتبرهم عسكريين تابعين لها.
عاد الدغباجي خفية إلى البلاد التونسية كفار من الجيش، وتوجه نحو جبال قفصة حيث التقى بالقائد البشير بن زديرة السندي الهمامي. خاض معه معركة "بهدمة" التي أسفرت عن جرحى في صفوف الجنود الفرنسيين. ثم وقعت حادثة ثانية في نفس العام، وهي واقعة "خنقة عيشة" على الطريق بين قابس وقفصة، حيث قتل بعض أفراد الصبايحية، وغنم الدغباجي ورفاقه كمية كبيرة من الذخيرة والأسلحة وأربعة خيول.
أصبح الدغباجي منذ عودته محل تتبع من المخزن وقوات الصبايحية، بتحريك من السلطة المحلية التي كانت تتعرض لضغوط فرنسية لتسليم الدغباجي لمحاكمته عسكرياً. رغم حدة القتال، كانت المواجهة أحياناً تونسية تونسية، حيث وجد الدغباجي نفسه في مواجهة مباشرة مع القوات التونسية (الصبايحية والمخازنية) الذين أصبحوا يمثلون أعداءه.
لم يظهر اسم الدغباجي بوضوح في واقعة خنقة عيشة بسبب طغيان اسم البشير بن سديرة، لكنه ظهر جلياً في واقعة "الزلوزة" يوم 1 يناير 1920. دارت هذه الواقعة في دوار أولاد الحاش بين جبل الحذيفة وجبل السقي، وتمثلت في مواجهة بين محمد الدغباجي والبريجادي بولو.
كان البريجادي بولو قائد الجمارك الفرنسية في منطقة الحامة وما حولها، وكان يجوب أحياء بني يزيد بحثاً عن المواد المهربة أو الممنوعة مثل الملح والتبغ. عُرف بسوء معاملته للأهالي وانتهاكه لحرماتهم، وكان يستهزئ بالدغباجي. دفعه هذا الأمر ورفاقه إلى التخطيط لتصفية هذا الرجل بسبب انتهاكاته للعرش والقبيلة. بعد قيامه بعمليات تفتيش، كان عائداً على عربة تجرها الخيل، فكمن له الدغباجي في مكان يسمى "الزلوزة"، وقتل ثلاثة منهم، منهم البريجادي بولو.
بعد واقعة الزلوزة، بدأت السلطات الفرنسية العسكرية في تتبعات جديدة ضد الدغباجي. كان أول إجراء هو مصادرة جميع أملاك الدغباجي ورفاقه في 22 ديسمبر 1920. رُحلت عائلة الدغباجي إلى الحامة، وسُجن الرجال، ووُضعت النساء في محتشدات. قامت السلطات الاستعمارية بردم الآبار وحرق المؤونة. شملت قائمة المتهمين 24 شخصاً، حوكم 12 منهم حضورياً و 12 غيابياً، وكان الدغباجي من بينهم. أصدرت المحكمة حكماً بالإعدام بحق الدغباجي.
أصبح الدغباجي المطلوب رقم واحد للقوات الفرنسية، فجندت فرنسا العديد من الصبايحية لتعقبه. ابتعد الدغباجي عن منطقة بني يزيد، وأصبح يتنقل بين جبل بوهدمة وجبل الطلح.
لم تتوقف أعمال ثورة محمد الدغباجي ضد المصالح الفرنسية. وقعت حادثة "المغذية" في 6 أبريل 1920، حيث وصل إلى مسامع السلطات الفرنسية أن محمد الدغباجي كان قريباً من جهة الحامة، وكان أهله يمدونه بالغذاء والمعلومات. أرادت السلطات الانتقام منه، فجاءت قوات من الصبايحية لمطاردته، وكان معظمهم من عشيرته. تقول الروايات إن عدد المطاردين للدغباجي في ذلك اليوم كان حوالي 300 شخص، معظمهم من بني زيد.
كان الدغباجي ضمن مجموعة صغيرة جداً. كانت المواجهة عنيفة جداً، وجُرح محمد الدغباجي، وقُتل ثلاثة من رفاقه، وجُرح ستة آخرون قُدموا لاحقاً للمحكمة العسكرية بتونس وأُعدموا. لكن عندما نفدت الذخيرة من محمد الدغباجي، أُسر. لحسن الحظ، وقع في الأسر في أيدي أبناء الحامة.
تدخل الشيخ الناعس الشرياق، شيخ الحامة، وحسم أمر هذه الفتنة. صاح في بني زيد قائلاً: "يا بني زيد، ستبقى وصمة عار في جبيننا إذا سلمنا هؤلاء الأربعة (بني زيد والحامدي) إلى فرنسا لتعدمهم. نحن سنفقد وظيفتنا وسنصبح صغاراً، لكنني لن أتحمل العار الذي أطول من عمري". ثم أطلقهم قائلاً: "اخرجوا من البيت كأنكم تشربون واهربوا".
فروا جميعاً، ثم لحق بهم الدغباجي. تقول الروايات إن الحراس لم يتفطنوا إليهم إلا بعد أن دخلوا ظلام الليل. وصل إلى المنطقة الجبلية، وكان عارفاً بالمسالك التي تؤدي إلى ليبيا عبر سلسلة جبال مطماطة.
عندما وصل الدغباجي إلى أحياء الحوايا، اتصل بأصدقائه هناك وتزود بذخيرته من جديد. عندما تنبهت السلطات الفرنسية لمرور محمد الدغباجي وهو جريح، تعقبته من جهة مطماطة إلى جهة بني خداش. قال مخزن مطماطة: "نحن الكيلاني ولد حمودة، لا بد أن نأتي بهم ونسلمهم لفرنسا".
تعدى المنطقة الإدارية، وقالوا له: "لا ترجع إلينا". قال لهم: "لا ألقى". التقى بمسؤول منطقة بني خداش، الشاوش المبروك الحربي، وقال له: "فكنا من مناطقنا الإدارية". قال له: "لا، هذا ليس لهيد في زنابيل المطماطة". استفزوا بعضهم ولحقوهم.
وقعت معركة "الجليبانية" في مفترق طرق صحراوية يوم 12 أبريل 1920. أكد على ذلك الجاسم عبد اللطيف وحسين الغيلوفي، والدغباجي وأربعة رفاق آخرين. يروي عمر كريد أن القائد محمد الدغباجي سلمه منظاراً ليتطلع على الأحياء المجاورة. عندما صعد إلى الربوة، رأى خيام البدو منتشرة حولهم، وعندما نظر وراءه، رأى مجموعة من الخيل تعدو مقتفية آثارهم، فعلم أنهم العدو. صاح في رفاقه: "لقد أدركنا العدو! لقد أدركنا العدو!".
عندما أحس المتعقبون العشرة أن المنطقة أصبحت منبسطة إلى حد ما ولا توفر لمحمد الدغباجي مناطق اختباء أو مناورة، سعوا إلى عملية ضربه في شكل "عقد" (مجموعة من أربعة إلى خمسة فرسان أو أكثر). أخفى الدغباجي نفسه عن المطاردين في جرف صغير مغطى ببعض النباتات الصحراوية، ولم يتفطنوا إليه وصعدوا مباشرة إلى الربوة. كان يتبعهم بنظراته ويشير إلى رفاقه بأن يأخذوا حذرهم.
قال عمر كريد: "وصلني الكلاني ولد حمودة ومحمد رحومي، هذين الصبايحية ضربتها، قتلتها. بيرفعوه زدت ضربتها فوق الحصار الثاني. جاء المبروك قتل واحد، زدانية واحد زي المبروك قتل واحد. المبروك قتل اثنين وعمر كريد ثلاثة، كان له نصيب الأسد". قال: "لما جينا هربوا الخمسة الآخرين". هذه هي القصة التي أدت إلى القصيدة الشهيرة: "خمسة لحقوا بالجرة، ملك المتراجية، لحقوا مولى العرك المرة، مشهور الدغباجي".
هذه القصيدة حولت الدغباجي إلى بطل قومي، وغناها أكبر المغنين الشعبيين في تونس، إسماعيل الحطاب. في الحقيقة، لم يكن المطاردون خمسة بل عشرة، لكن الكوكبة الأولى كان فيها ستة، في مقدمتهم القائد الشاوش مبروك الحرابي والكلاني بن حمود المحضاوي ومحمد بن سعيد المحضاوي، ومعهم ثلاثة من مطماطة. قُتل منهم خمسة وفر سادسهم مترجلاً بعد صرع حصانه.
تمكن الثائر محمد الدغباجي من الوصول إلى التراب الليبي والالتحام ببقايا الثوار الموجودين هناك، والتحق برفيق دربه خليفة بن عسكر النالوتي. كان له حظوة جيدة عند خليفة بن عسكر، وشارك معه في المعارك. استقر الدغباجي ورفاقه هناك لمدة سنتين، وتزوج الدغباجي زواجه الثاني من مسعودة الكرشاوية.
المراسلات والاعتقال
يحفظ الأرشيف الوطني التونسي العديد من الرسائل التي وجهها الدغباجي إلى عامل الأعراض وإلى الحكومة التونسية، يلتمس فيها النظر في موضوعه وموضوع عائلته وقبيلته التي مسها الكثير من الظلم والمضايقات الفرنسية. كتب في إحدى رسائله: "يا سيد، نحن فرارنا من الدولة الفرنساوية من الدرك والتعب الذي حل بنا، وليست من تحت تضررنا. وكما أنت تعرف جنابكم أن أهلنا ليست لهم معلومات علينا ولا إشارة منهم بطرفنا. وأعلمك ثانياً لو كان هناك إنصافاً من الدولة ومن جنابكم لما مسهم أحد منكم بشيء".
وجه عامل الأعراض مضمون هذه الرسالة إلى الوزير الأكبر الطيب الجلولي ليستشيره في الرد على الدغباجي، لكن الوزير الأكبر أبلغه أنه ليس من الأنسب الرد على إنسان ثائر.
منحت بعض الاتفاقيات والمفاهمات بين الليبيين والإيطاليين خليفة بن عسكر بعض الصلاحيات الواسعة في الجبل الغربي، لكنه وجد نفسه لاحقاً أمام صراع وفتنة سميت "فتنة الجبل". كان بن عسكر قائداً ميدانياً شجاعاً، لكنه لم يكن لديه بعد سياسي. أراد خليفة بن عسكر الحصول على السلاح الإيطالي ليحاربهم به، لكن غراتسياني، المعروف بـ "ثعلب الصحراء"، لم تخف عليه هذه المؤامرة.
وعد غراتسياني خليفة بن عسكر بمساعدته في حربه ضد أعدائه في منطقة الجبل، ووعد بتغيير وتجديد الأسلحة التي بحوزته، وضرب له موعداً في ثكنة الوطية حيث سيتم تغيير الأسلحة. طلب منه أن يأتي برفقة عناصر مجموعاته المسلحة. توجه خليفة بن عسكر النالوتي برفقة مجموعة من قادة المقاومة، بمن فيهم محمد الدغباجي.
حضر خليفة بن عسكر في اليوم المذكور، 28 مايو 1922، برفقة الدغباجي وعدد كبير من المقاومين، محملين بأسلحتهم التي كان من المتوقع تغييرها. دخل خليفة بن عسكر إلى الخيمة التي أُعدت له ولغراتسياني، حيث دخلا في محادثات ومفاوضات. في هذه الأثناء، أُعطيت الأوامر للفرقة الأفريقية الإثيوبية في الخارج باعتقال كل من رافق خليفة بن عسكر. قُبض على الدغباجي وبنفتاح والمجموعة التي معه من القيادات.
سقط جزء من الخيمة على خليفة بن عسكر وغراتسياني، فأجبرا على مغادرة الخيمة. تفاجأ خليفة بن عسكر في البداية عندما رأى مشهد اعتقال رفاقه، وتوجهت إليه الفرقة العسكرية لاعتقاله أمام غراتسياني. قال: "نحن نخرج الكراب النير (الشرطة العسكرية) وتقيد مادي طول".
رغم أن فرنسا كانت تلاحق الدغباجي طيلة عامين وثلاثة، لم تستطع الإمساك به بسبب حذره وقدرته على التنقل. أُخذ بالخديعة، وما كان ليُقبض عليه لولا هذه الخديعة.
يبدو أن الإيطاليين لم يكتشفوا منذ البداية أن من ضمن هؤلاء المعتقلين لديهم الدغباجي، المطلوب الأول لدى السلطات الفرنسية بتونس. لهذا لم يُسلم إلا يوم 6 يوليو، وهو تاريخ دخوله إلى سجن قابس وحمله الرقم 6525. تقول الرواية الشفوية إن فرنسا كانت تتمنى إعدام محمد الدغباجي في المنطقة العسكرية، لكن كانت هناك أصوات متعالية ترفض هذا الحدث لأن المنطقة قبلية وتربطها علاقات وطيدة ببني يزيد الحامة. فرفضوا بشدة، وتم نقل الدغباجي إلى قابس.
من محطة قابس، انتقل بالقطار إلى السجن العسكري بتونس. هناك، نُظمت له محاكمة حضورية أخرى. بالغت زوجة أرملة بولو في إدانة الدغباجي، الذي لم يكن يفهم ما تقوله لأنها كانت تتكلم الفرنسية. اعترف الدغباجي بكل اعتزاز بما نُسب إليه من وقائع، لكنه أنكر أمرين: الأول، انتساب حادثة وادي زاس إليه وهو لم يحضرها، والثاني، أنه يكون ناهب أرزاق. قال: "لا يمكن لأحد مثلي جاهد في سبيل وطنه وفي سبيل الله أن يأخذ رزق الناس حراماً".
أقرت المحكمة نفس الحكم السابق (الإعدام) الذي صدر غيابياً، هذه المرة حضورياً، وتقرر إعدام محمد الدغباجي في غرة مارس 1924 في الساحة العامة بالحامة. اشترط الحكم أن يُعدم أمام أهله في بلده وقبيلته. كان هذا سلوكاً استعمارياً لجعل هؤلاء عبرة لمن يعتبر، حتى لا يفكر أحد في تحدي المستعمرين.
الإعدام والرمزية
قبل عملية الإعدام، طلب الدغباجي طلبين: الأول أن يصافح زوجة أبيه، واستجيب طلبه. والثاني أن يصلي ركعتين، وتم الاستجابة لطلبه أيضاً. كان الدغباجي يبتسم في كل ذلك. صلى ركعتين واقتيد إلى ساحة الإعدام. يُروى أنه رفض العصابة التي أراد الجندي الفرنسي أن يضعها على عينيه. توجهت إليه زوجة والده وهي باكية وزغردت. قال الدغباجي بصوت مرتفع: "لا تخشي علي يا أمي، فإني لا أخاف رصاص الأعداء ولا أجزع من الموت في سبيل عزة وطني. الله أكبر ولله الحمد".
نُفذ فيه حكم الإعدام، وأُصيب بـ 12 طلقة. لقد نجح الفرنسيون، ولو نسبياً، في تحقيق ما طلب من عملية إعدام الدغباجي العلنية والسيناريو الذي أُعد لهذه العملية. يبدو أن كل أصوات الانتفاضات والثورات لسنوات عديدة بعد ذلك تم إخمادها بسهولة، وحدث نوع من الخمول في العمل العسكري والحربي ضد الفرنسيين.
محمد الدغباجي أصبح أيقونة للنضال ضد المستعمر. كان المقاومون يتمنون أن يكونوا مثل الدغباجي، بطلاً من الأبطال. تناول معظم شعراء منطقة الجنوب سيرة الدغباجي وامتدحوه، ورثاه العديد منهم بعد عملية الإعدام.
"لا يوم رعشت عز نادي ولا عرف قلبي لا شهق مولاه، أنا عشقت وطني ونسمت الحرية وصدقت دمي والعيون معاه. واشهد كيف ترد وينعاد اللي صار في ميعاد الجد، الدغباجي لا خوف لا عمرش ارتد، واشهد كان غاب خلف ولد".
هي قصة واقعية جداً، لكن أين الواقع من الأسطورة؟ لأن الكثير من الواقع كان أسطورة. "أنتم تطلبون منا الرجوع إلى ديارنا، لكن ألسنا في ديارنا؟ فحركتنا تمتد من فاس إلى مسراته، وليس هناك أحد يستطيع إيقافنا".
Takeaways
- خلال أواخر القرن التاسع عشر، قسمت فرنسا تونس إلى نصف شمالي مدني ونصف جنوبي عسكري، ما أدى إلى تجنيد قسري للقبائل الجنوبية مثل بني يزيد.
- انضم محمد بن صالح الدغباجي إلى الجيش الفرنسي عام 1907 ثم عاد للتمرد عام 1915 بعد أن شهد القسوة الفرنسية في الثكنات.
- شارك الدغباجي مع الزعيم الليبي خليفة بن عسكر في حرب العصابات التي استهدفت الحصون الفرنسية واستخدمت تكتيك الضربات السريعة والهجمات المحدودة.
- بعد سلسلة من المعارك والاعتقالات، أُعدم الدغباجي في مارس 1924 في ساحة الحامة، وقد طلب صلواتٍ ووداعًا قبل الموت، مما جعله رمزًا للمقاومة الوطنية.
- قصته ألهمت الشعراء التونسيين وأصبحت أسطورة في الذاكرة الجماعية للجنوب، حيث تُروى كدليل على صمود القبائل ضد الاستعمار.
Frequently Asked Questions
لماذا انشق محمد الدغباجي عن الجيش الفرنسي في عام 1915؟
انشق محمد الدغباجي عن الجيش الفرنسي في عام 1915 لأن المعاملة القاسية التي تلقاها في الثكنات الفرنسية، بما في ذلك العقوبات القاسية والظروف الصعبة، دفعته إلى رفض الاستمرار في خدمة المستعمر وتفضيل الانضمام إلى المقاومة المحلية.
ما هو دور خليفة بن عسكر في تمكين محمد الدغباجي من تنفيذ حرب العصابات؟
كان خليفة بن عسكر الزعيم الليبي الذي استضاف الدغباجي بعد فراره من الجيش الفرنسي، وقد وفر له الدعم اللوجستي والقيادي، مما مكنه من تنظيم وتنفيذ عمليات حرب العصابات ضد الحصون الفرنسية في جنوب تونس المستعمرة.
من هو Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية على يوتيوب؟
Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.
هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟
نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.
Helpful resources related to this video
If you want to practice or explore the concepts discussed in the video, these commonly used tools may help.
Links may be affiliate links. We only include resources that are genuinely relevant to the topic.