قافلة PQ 17: كارثة القطب الشمالي وتأثيرها على الحرب العالمية

•

 50 min video

•

 13 min read

YouTube video ID: gL9Al9u0zr4

Source: YouTube video by Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية — Watch original video

PDF

في ربيع عام 1942، انطلقت قوافل ضخمة من سواحل أيسلندا متجهة نحو موانئ الاتحاد السوفيتي، حاملة المؤن والذخائر والأسلحة والدبابات والطائرات التي كان الروس في أمس الحاجة إليها. واجه البحارة الحلفاء مخاطر جمة باجتياز المحيط المتجمد الشمالي عبر طرق بحرية تمر بسواحل النرويج والدنمارك. كان الهدف الألماني الوحيد هو إيقاف هذه القوافل بأي ثمن، خاصة بعد توقفهم أمام موسكو ولينينغراد.

كارثة القافلة PQ 17

كانت موجات من القاذفات والغواصات الألمانية تترصد فرائسها. إحدى هذه القوافل، المعروفة بالاسم الرمزي PQ 17، أصبحت ضحية لأكبر كارثة بحرية في تاريخ الحرب العالمية الثانية.

عندما انطلقت عملية بربروسا، اجتاز ما يقارب 4 ملايين رجل الحدود السوفيتية، منهم 3 ملايين ألماني، بالإضافة إلى 4300 دبابة وأكثر من 4300 طائرة، مما أوقع الجيش الأحمر في حالة من الفوضى. بعد أيام قليلة من الهجوم، كان هتلر متفائلاً، معتقداً أن العدو خسر الحرب وأن الروس لن يتمكنوا من تعويض دباباتهم وقواتهم الجوية المدمرة. بحلول خريف عام 1941، دمر الألمان حوالي 20 ألف دبابة و35 ألف قطعة مدفعية، وكانوا على بعد 25 كيلومترًا من وسط موسكو.

طلب ستالين للمساعدات الحليفة

وجد الاتحاد السوفيتي نفسه محاصرًا من كل جانب. في أكتوبر 1941، توجه وفد بريطاني أمريكي مشترك إلى الكرملين للنظر في مطالب ستالين الفلكية بإرسال قوافل إمداد. كانت هذه أضخم عملية من نوعها على الإطلاق، تهدف إلى نقل أطنان من المؤن والطائرات والذخائر والدبابات إلى الموانئ الروسية. كانت سفينة الشحن الواحدة قادرة على حمل 10 آلاف طن من المدافع، و37 دبابة، و18 شاحنة، و3800 عجلة، و4000 علبة شحم، و1200 طن من الصفائح المعدنية، و100 كيس من الفاصوليا الجافة، و9000 طرد من اللحوم. لكن طوربيدًا واحدًا كان كافيًا لإغراق هذه الحمولة.

لتوصيل هذه الإمدادات بسرعة، قرر الحلفاء سلوك الطرق البحرية إلى مورمانسك وأرخانجيلسك عبر جرينلاند وبحر بارنتس. كانت القوافل تنطلق إما من أيسلندا أو من قاعدة لوخ إيو في شمال اسكتلندا. بناءً على أحوال الجليد، كانت تسلك مسارًا شمال جزيرة الدب أو جنوبها عبر ممر ضيق بين أرخبيل سفالبارد والساحل النرويجي. كان العبور يستغرق من 10 إلى 14 يومًا.

مفاجأة الألمان ونجاح القوافل الأولى

لم يتوقع قادة ألمانيا النازية أن تساعد بريطانيا العظمى الاتحاد السوفيتي، معتقدين أن تشرشل يكن لهم العداء. لكن تشرشل كان يؤمن بأن بريطانيا لا تعرف حلفاء أبديين ولا أعداء دائمين، بل مصالح أبدية ودائمة. ولهذا، نجحت القوافل الأولى التي أُرسلت عام 1941 في الوصول، حيث باغتت الألمان.

بحلول نهاية عام 1941، كانت 48 سفينة حليفة قد سلكت طريق رأس الشمال، وأوصلت 2373 مركبة، و481 دبابة، و705 طائرات، وما يقارب 87 ألف طن من الذخائر، و25 ألف طن من الوقود. بالنسبة للبحارة البريطانيين، كان هذا التعاون أمرًا طبيعيًا، وشعروا أنهم يفعلون الصواب بمساعدة من يستحقون المساعدة.

تحديات القطب الشمالي

لم تكن القوافل تواجه الألمان وحدهم، بل عناصر الطبيعة القاسية في القطب الشمالي. كان الطقس متقلبًا، أحيانًا عاصفًا بأمواج شديدة، وأحيانًا أخرى هادئًا. في الشتاء، كانت السفن تبحر في ظلام شبه متواصل. كانت المياه شديدة البرودة، والأمواج تتقاذف السفن باستمرار.

كانت العواصف الثلجية والأعاصير مخيفة، لكنها كانت توقف الطائرات والغواصات الألمانية. في الشتاء، كانت الجسور والبنى العلوية تتلقى ضربات أمواج هائلة، وتتغطى السفن بطبقة سميكة من الجليد تجمد الأبراج وتشل منظومات الأسلحة، وكان يجب إزالة هذا الجليد بأي ثمن لتجنب انقلاب السفن.

في أواخر شتاء 1942، زادت العناصر الطبيعية الأمور تعقيدًا. فقدت قوة المهام 9، وهي قوة دعم أمريكية، أحد أدميرالاتها في عاصفة في 26 مارس 1942. تعرضت البارجة واشنطن لأمواج بلغ ارتفاعها أربعة طوابق، وتقاذفتها الأمواج كأنها ريشة. وصل الأدميرال ويلكوكس إلى سلم البارجة في اللحظة التي اجتاحت فيها موجة عاتية الجسر، وحملته خارج السفينة. لم يُعثر على جثته قط.

تصاعد التهديد الألماني

سرعان ما أصبح الطريق البحري إلى روسيا محنة حقيقية. كان الأسطول السوفيتي غير قادر على توفير دفاع فعال، بينما كانت البحرية البريطانية تفتقر إلى حاملات الطائرات وسفن المرافقة الكافية.

في مطلع عام 1942، تدخل أدولف هتلر شخصيًا، مبديًا اهتمامًا بمسرح العمليات الشمالي لتعزيز موقعه في السويد الغنية بخام الحديد والنرويج. لم يكن مقبولًا لديه أن تستفيد روسيا من موارد الترسانة الإنجليزية. قاد الأدميرال رايدر حوالي 20 غواصة إلى المياه الجليدية، وأوفد معظم القوات البرية الألمانية إلى تروندهايم ونارفيك. في مايو 1941، أرسل غورينغ 260 قاذفة طوربيد ومقاتلة نفاثة إلى مطارات بيتسامو وكيركينس وبانك وترومسو وفاردوبوس، مما غطى كل المنطقة التي كان على القوافل اجتيازها.

انضمت إلى طرادات المعركة شارنهورست وجنايزيناو، الطرادات الثقيلة برينس أويغن وهيبر، والطرادة الثقيلة شير من طراز دويتشلاند. كان هذا الأسطول القوي تحت قيادة بارجة تيربيتز من طراز بسمارك، التي أُطلقت في احتفال مهيب عام 1939. كانت تيربيتز سفينة عملاقة بطول 251 مترًا ووزن يزيد على 50 ألف طن، ومسلحة بثمانية مدافع عيار 380 ملم، و12 مدفعًا عيار 150 ملم، و16 مدفعًا مضادًا للطائرات. كان درعها قادرًا على تحمل جميع أنواع القذائف المدفعية المعروفة آنذاك.

كان وصول تيربيتز حدثًا بالغ الأهمية، حيث كانت تتفوق على كل سفينة في البحرية البريطانية من حيث السرعة والدرع وقوة النيران.

انطلاق القافلة PQ 17

على الرغم من عدم انخراط تيربيتز في المعارك فعليًا، كانت قوافل القطب الشمالي تواجه صعوبات متزايدة. في ربيع عام 1942، أصبح الألمان يحكمون ضرباتهم بدقة، وأصبحت قاذفات الغوص وقاذفات الطوربيد أكثر دقة، وتنسيقها مع الغواصات أكثر فعالية.

لكن رغم المخاطر، انطلقت أضخم قافلة أرسلها الحلفاء على الإطلاق من سواحل أيسلندا في 27 يونيو 1942، وكانت تحمل الاسم الرمزي PQ 17. في اليوم التالي، شن الألمان هجومًا كبيرًا يستهدف آبار البترول في منطقة القوقاز، بما فيها مدينة ستالينغراد. واجه الروس والألمان هناك لأشهر متواصلة، ولقي مليون شخص حتفهم، واستنزفت آلاف الأطنان من المؤن والذخائر. بالنسبة للسوفيت، أصبحت الإمدادات الحليفة ضرورة مصيرية.

تألفت قافلة PQ 17 من 36 سفينة شحن، ترافقها حراسة وثيقة مكونة من ثلاث كاسحات ألغام، وست مدمرات، وأربع فرقاطات، وطرادتين مضادتين للطائرات، وأربع سفن صيد مسلحة، من بينها سفينة HMS Ayrshire بقيادة جوزيف أنتوني ليو جرادوال. كان معظم البحارة مدنيين على متن سفن مصادرة، وكان جرادوال ضابطًا متطوعًا مؤهله الوحيد شهادة قيادة اليخوت الترفيهية.

حظيت قافلة PQ 17 بحماية قوتي مؤازرتين: حراسة قريبة (أربع طرادات وثلاث مدمرات) وحماية بعيدة (سفينتا شحن، طرادتان، حاملة طائرات، و12 مدمرة). تولى حاجز من ثماني غواصات، من بينها الغواصة الفرنسية مينيرف، مراقبة الساحل الشمالي للنرويج.

كانت PQ 17 عملية بحرية ضخمة، بلا شك الأهم في الحرب العالمية الثانية. وصف الممثل دوغلاس فيربانكس الابن، الذي كان ضابطًا على متن طرادة يو إس ويتشيتا، سفن الشحن بأنها "أسراب من البط المتسخ تطفو على الماء".

بعد أن أبلغت خدمات الاستخبارات البحرية الألمانية بانطلاق القافلة، وضعت هيئة الأركان الألمانية خطة هجومية معقدة تجمع بين الطائرات والغواصات والسفن السطحية. كان هذا هو الوقت المناسب لظهور تيربيتز. لكن توأمها بسمارك كان قد ضاع في العام السابق، وكان أدميرالات الرايخ يدركون هشاشة هذه البوارج الضخمة أمام الهجمات الجوية. لذا، لم يكن لتيربيتز أن تتحرك إلا بأمر مباشر من القيادة العليا وهتلر نفسه.

في ربيع عام 1942، كان الوضع غريبًا. كانت القوات الإنجليزية والأمريكية حاضرة وغائبة في آن واحد، إذ لم تكن تريد المجازفة بسفنها. من جهة أخرى، كان الألمان يسيطرون على الجو والبحر ويمتلكون بارجة تيربيتز الضخمة، لكنهم لم يكونوا يريدون المجازفة بها. كان هتلر يخشى خسارة تيربيتز كما خسر بسمارك. على الجانب الآخر، كانت القوات الروسية في أمس الحاجة إلى وصول القوافل بأمان.

الهجوم الألماني وتشتت القافلة

بعد خمسة أيام في عرض البحر، رصدت طائرة استطلاع ألمانية قافلة PQ 17. كانت غواصتان تتعقبانها بالفعل، وانضمت إليهما غواصتان أخريان. نصبت الألمان حاجزًا من ست غواصات إضافية، ليصبح حوالي عشر غواصات تترقب الفرصة.

رتب قائد القافلة، الكابتن جاكي بروم، القافلة في تسعة صفوف متباعدة، يفصل بينها 1000 متر، ويتألف كل صف من أربع سفن شحن تسير على مسافة 400 متر من بعضها. كانت الحراسة القريبة تعمل كحاجز، وتمركزت قوات الدفاع الجوي على مسافة 1000 متر من القافلة، وسفن المرافقة الأخرى على مسافة 3000 متر. كانت سفن الشحن المحملة لا تتجاوز سرعتها عشر عقد، مما جعلها هدفًا سهلاً للقوات الجوية والبحرية الألمانية.

في 2 يوليو، أجاز أدولف هتلر إطلاق حملة بحرية واسعة النطاق، عملية روسيلشبرون، موجهًا قواته البحرية، بما فيها تيربيتز، نحو بحر القطب الشمالي لتدمير قافلة PQ 17. كانت ثلاث طائرات تراقب القافلة باستمرار، وكان البحارة ينتظرون الهجوم بذعر.

حاولت الغواصة الألمانية U-456 الضرب، لكن صدتها أربع سفن مرافقة. عند السادسة مساءً من 2 يوليو، شنت ثماني طائرات مائية من طراز HE 115 هجومًا فاشلاً على القافلة، وأسقطت إحداها.

في 3 يوليو، هبط ضباب كثيف على القافلة، مما أخفاها عن أعين العدو. اختفت طائرات الاستطلاع وفقدت الغواصات أثر القافلة. لكن في ذلك اليوم، رصدت طائرة استطلاع بريطانية أن تيربيتز لم تعد راسخة في مكانها. في لندن، تساءل كبار ضباط البحرية الملكية أين ذهبت أضخم بارجة في أوروبا.

مع فجر 4 يوليو، كانت القافلة قد قطعت أكثر من ثلثي الطريق إلى مورمانسك، لكنها كانت تدخل بحر بارنتس الواقع تحت السيطرة الكاملة للقوات الألمانية. كان الطقس رائعًا، مما جعل السفن أهدافًا ثابتة.

بعد ساعات قليلة، رصدت طائرة استطلاع ألمانية قافلة PQ 17، وبدأ الهجوم الجوي بعد الظهر بقليل. خلال أحد الهجمات، برزت المدمرة الأمريكية وينرايت، وانفصلت عن بقية السفن وانطلقت نحو الطائرات بأقصى سرعة، وأطلقت نيران جميع مدافعها دفعة واحدة، مما أجبر قاذفات الطوربيد على إطلاق قذائفها بشكل عشوائي.

قرار اللورد باوند الكارثي

في هذه الأثناء، كان الأدميرال باوند، رئيس الأركان البحرية في إنجلترا، حائرًا بشأن مكان تيربيتز. كان يواجه معضلة حقيقية: إذا كانت البارجة الألمانية متجهة نحو قافلة PQ 17، فلن تستطيع الطرادات وسفن الطوربيد المرافقة إلحاق الضرر بها وستغرق حتمًا. وإذا حاولت الحراسة البعيدة التصدي لتيربيتز، فقد تتعرض لهجمات جوية. وإذا ذهبت للبحث عن تيربيتز في بحر النرويج ولم تعثر عليها، فقد تنتهز البارجة الألمانية الفرصة لشن غارة في المحيط الأطلسي.

في نهاية المطاف، اتخذ اللورد باوند قرارًا كان أسوأ قرار في حياته. عند الساعة 9:11 مساءً من ذلك اليوم، أرسلت الأدميرالية برقية إلى قائد الحراسة المرافقة لقافلة PQ 17، الكابتن بروم، تأمره بتفريق القافلة والتوجه نحو الموانئ الروسية. بعد 12 دقيقة، وصلت رسالة أخرى تأمر القافلة بالتفرق. ثم جاءت رسالة ثالثة تأمر الطرادات بالانسحاب غربًا فورًا، مما أثار حالة من الذعر بين البحارة.

أمر رئيس الأركان البحرية جميع السفن السطحية المرافقة للقافلة بالتراجع إلى موقع محدد، أي التخلي عن القافلة. سارعت المدمرات وثلاث من سفن الصيد المسلحة للحاق بالطرادات التي انفصلت فجأة. لكن على متن سفينة الصيد أيرشاير، رفض ليو جرادوال التخلي عن مهمته وقرر البقاء مع سفن الشحن المتروكة.

راقب طاقم السفن التجارية بذهول مرافقتهم وهي تبتعد نحو الغرب. امتثالًا للأوامر، تفرقت السفن الأخرى بقلوب مثقلة. أرسل قائد المدمرة كيبل رسالة إلى قادة سفن الشحن التي كان يتركها خلفه، يعتذر فيها عن تركهم ويتمنى لهم حظًا سعيدًا.

الكارثة الحقيقية

قرب منتصف الليل، بلغت الغواصة الألمانية U-456، التي عثرت على القافلة بفضل الطقس الجيد وضوء النهار الطويل، أن سفن شحن قافلة PQ 17 لم تعد تحظى بأي مرافقة، وأن لحظة الهجوم باتت مواتية.

في غضون تسعة أيام، أغرقت الغواصات والطائرات الألمانية ما لا يقل عن 25 سفينة شحن، 11 منها في 5 يوليو وحده. غرقت سفينتان في اليوم التالي، وأربع في 7 يوليو، وواحدة في 8 يوليو، وثلاث بين 10 و13 يوليو. كان ذلك في يوليو 1942، وكان الجيش الأحمر قد مني بهزائم مروعة، وتكبد خسائر فادحة قرب خاركوف، واستولى الألمان على شبه جزيرة القرم.

عندما صدر الأمر بتفريق القافلة، لم تكن الكلمات قادرة على وصف ما يعنيه ذلك. لكن ليو جرادوال سينقذ شرف البحرية البريطانية. بعد أن توجه شمالًا مستعينًا بأطلس جيب بسيط، أخذ تحت حمايته ثلاثًا من سفن الشحن المتروكة وقادها إلى داخل حقول الجليد. قرر جرادوال منح رجاله حصصًا مضاعفة من الطعام، ثم لجأ إلى تمويه قافلته بطلاء الجانب الجنوبي من جميع السفن باللون الأبيض وتغطية جميع الهياكل العلوية بملاءات بيضاء، لتندمج السفن مع المشهد المحيط بها كالجبال الجليدية العائمة.

انتظر جرادوال ثلاثة أيام، مصغيًا باستمرار إلى الراديو حتى توقفت نداءات الاستغاثة. في مساء 7 يوليو، خرجت السفن الأربع الناجية من الجليد وعادت إلى البحر لتصل بسلام إلى ميناء أرخانجيلسك في 24 يوليو، أي بعد 17 يومًا.

تمكن بحارة آخرون من قافلة PQ 17 من النجاة أيضًا. طاقم سفينة الشحن واشنطن، التي غرقت في 5 يوليو، رفضوا أن تنقذهم سفينة الشحن الأمريكية أولوبانا، التي أغرقت بالفعل بعد أيام قليلة. عوضًا عن ذلك، جدفوا لمسافة 300 ميل بحري (أكثر من 480 كيلومترًا) ليصلوا إلى ساحل جزيرة نوفايا زيمليا في 12 يوليو، متحدين العواصف الثلجية والجوع والعطش واليأس. هناك، وجدوا سفن شحن أخرى نجت بأعجوبة وكانت تستعد للتوجه إلى أرخانجيلسك عبر مضيق يعرف بحلق البحر الأبيض. وصل الـ 46 بحارًا من سفينة واشنطن إلى أرخانجيلسك في 25 يوليو، أي بعد 20 يومًا من غرق سفينتهم.

غرقت ثلاث سفن أخرى في مضيق البحر الأبيض، ليرتفع إجمالي سفن PQ 17 المفقودة إلى 26، منها 24 سفينة تجارية، وقضى 153 بحارًا نحبهم.

مع سفن PQ 17، غرقت 430 دبابة في قاع بحر بارنتس. في يوليو 1942، لم يكن لدى الجيش الأحمر في ستالينغراد سوى 400 دبابة. أما الطائرات الـ 200 التي فقدت مع القافلة، فقد كانت تعادل ثلث القوات الجوية التي كانت تعمل فوق المدينة السوفيتية. ولم يحصل الاتحاد السوفيتي على 3350 سيارة، وهو ما يزيد بـ 1000 سيارة عما كان لديهم في ستالينغراد آنذاك.

بين 9 و11 يوليو، وصلت خمس سفن شحن من قافلة PQ 17 إلى أرخانجيلسك. لم يصدق أحد أن 14% فقط من سفن القافلة قد نجت. في الأسابيع التالية، وصلت ست سفن أخرى إلى أرخانجيلسك، ليصبح إجمالي السفن التي وصلت 11 سفينة من أصل 35 سفينة شحن انطلقت مع قافلة PQ 17 من أيسلندا.

شعر البحارة الناجون بالمرارة، إذ أحسوا بأن البحرية البريطانية تخلت عنهم. اليوم، يبدو أمر باوند بتفريق القافلة وانسحاب المدمرات والطرادات ضربًا من الجنون، خاصة وأن مهمة تيربيتز انتهت في 5 يوليو، أي في اليوم ذاته تقريبًا.

في الواقع، لم تقم تيربيتز سوى بجولات قليلة قبالة السواحل النرويجية. بالنسبة للبحرية الألمانية، لم يكن إرسال بارجة حربية لملاحقة سفن شحن تجارية منطقيًا. لكن الألمان لاحظوا أيضًا أن الطرادات والمدمرات البريطانية خذلت القافلة.

احتفل الألمان بكارثة قافلة PQ 17 كدليل على سيطرتهم على منطقة بحر بارنتس، ورأوا في هذا الانتصار الساحق تجليًا للشجاعة والتنسيق بين القوات البحرية والجوية. خلصت الأدميرالية البريطانية إلى أن ألمانيا، بأسطولها السطحي وغواصاتها وطائراتها، كانت قادرة على قطع الطريق القطبي طوال أشهر الصيف الطويلة.

استئناف القوافل وتغيير الاستراتيجية

في 17 يوليو 1942، أبلغ تشرشل ستالين بأن القوافل ستوقف مؤقتًا. اشتد غضب ستالين، وأرسل ردًا شديد اللهجة إلى تشرشل، يخبره فيه أن خبراءه يرون أن الحلفاء يفتقرون إلى الإرادة للقيام بواجبهم، وأنهم لا يوفون بالتزاماتهم بتزويد الاتحاد السوفيتي بالإمدادات. وأبلغه أيضًا أن خبراءه يرون قرار تفريق قافلة PQ 17 قرارًا في غاية الحماقة، وختم بقوله: "لا يمكن إنجاز أي مهمة كبرى في زمن الحرب من دون مخاطر أو خسائر".

وجد تشرشل نفسه وسط أزمة دبلوماسية. سافر إلى موسكو لحضور مؤتمر للحلفاء، وعند عودته أعلن استئناف إرسال القوافل. وهكذا، أبحرت PQ 18، لكن هذه المرة كان الحلفاء مستعدين بقوة. عدلوا مسارهم وأضافوا إلى المرافقة حاملة طائرات هي HMS Avenger.

في 2 سبتمبر، انطلقت قافلة PQ 18 بأضخم مرافقة لم يكن لها مثيل، مؤلفة من 51 سفينة حربية لـ 40 سفينة شحن. في 8 سبتمبر، رصدت القافلة، وفي 13 سبتمبر، رمى سلاح الجو الألماني بكل ثقله في المعركة. اقتربت 85 قاذفة طوربيد من القافلة، وأطلقت 140 طوربيدًا في آن واحد. أصيبت ست سفن شحن، منها اثنتان محملتان بالذخيرة، فتفتتتا على الفور.

توالت الهجمات حتى مدخل مضيق البحر الأبيض. هناك، حاول الطيارون الألمان شن اعتداء أخير، لكن مدمرتين سوفيتيتين كانتا قد جاءتا لتعزيز المرافقة. لم تتكرر مأساة PQ 17. نجح الألمان في إغراق 13 سفينة، لكن هذا النجاح التكتيكي جاء بثمن باهظ جدًا، إذ أسقطت 41 طائرة من سلاح الجو الألماني، وأغرقت خمس غواصات من البحرية الألمانية. ومن أصل 40 سفينة شحن في قافلة PQ 18، وصلت 27 إلى الموانئ السوفيتية.

ما لم يستوعبه الاستراتيجيون الألمان هو أن انتصارهم على PQ 17 لم يتحقق إلا لأنها كانت بلا مرافقة. أما قافلة PQ 18، فكانت أقل عرضة للهجوم بكثير. كان الأجدر بهم إشراك تيربيتز وسفن مرافقتها في العملية، لكن هتلر لم يكن يريد المجازفة بخسارة تيربيتز، وفضل إبقاءها احتياطًا في حال قرر الحلفاء الإنزال في النرويج.

بفضل المرافقة القوية، استطاعت القوافل شق طريقها بخسائر ضئيلة. كانت الإمدادات التي تحملها ضرورية للجيش الأحمر، فقد أنقذت أرواح الجنود السوفيت وساهمت في انتصارهم في نهاية المطاف.

في وقت لاحق من الحرب، حرصت الأدميرالية البريطانية على تفادي أي مأساة جديدة على غرار مأساة PQ 17. سيطرت سفن الحلفاء على زمام الأمور، وكانت الهجمات على القوافل التالية في ديسمبر 1942 وعام 1943 كارثية على الأسطول الألماني.

في 6 يناير 1943، بلغ هتلر حدًا من الغضب جعله يطلب إرسال كل أسطوله السطحي إلى ميدان الخردة. كان هتلر محقًا في قلقه، فمع توسع الغطاء الجوي للحلفاء وتجهيز سفنهم بالرادارات وتأمين القوافل بحاملات طائرات مرافقة، باتت هذه القوافل أقل عرضة للهجوم من أي وقت مضى.

خلال عام 1943، وصل عدد كبير من سفن الحلفاء سالمًا إلى الموانئ السوفيتية. وفي تلك المرحلة، كان الجنود الروس قد حسموا معركة ستالينغراد.

بنهاية الحرب، كانت قوافل القطب الشمالي قد نقلت 2705 دبابات، و1960 طائرة، و22 ألف مركبة، و527 ألف طن من الذخائر. لكن في المقابل، فقد أيضًا 4 ملايين طن من الإمدادات

  Takeaways

  • بدأت القوافل القطبية في عام 1941 لتزويد الاتحاد السوفيتي بإمدادات حاسمة عبر مسارات بحرية خطرة بين أيسلندا والنرويج.
  • انطلقت القافلة الرمزية PQ 17 في يونيو 1942 وتعرضت لهجوم ألماني مكثف أدى إلى أمر اللورد باوند بتفريقها، ما أسفر عن غرق معظم السفن.
  • كان قرار تفريق القافلة نتيجة لخوف من البارجة الألمانية تيربيتز، لكنه أدى إلى خسارة 25 سفينة وشحذ نقص الدبابات والطائرات للجيش الأحمر.
  • نجح القائد ليو جرادوال في إنقاذ عدد قليل من السفن عبر تمويهها باللون الأبيض وإرشادها إلى مرفأ أرخانجيلسك، مظهرًا شجاعة البحارة المتبقين.
  • بعد كارثة PQ 17، عُزّزت مرافقة القوافل مثل PQ 18 بحاملات طائرات ودروع أقوى، مما قلل الخسائر وساهم في إمداد السوفييت حتى نهاية الحرب.

Frequently Asked Questions

لماذا أمر اللورد باوند بتفريق قافلة PQ 17؟

أمر اللورد باوند بتفريق القافلة لأن القيادة البريطانية خافت من هجوم البارجة الألمانية تيربيتز التي كانت قريبة، ورأى أن المرافقة لا تستطيع صدها دون تعريض السفن للغرق، فاختار تفريق القوافل لتقليل الخسارة المحتملة، لكن القرار أدى إلى غرق معظم السفن.

ما هو حجم الخسائر التي تكبدتها القافلة PQ 17؟

خسرت القافلة PQ 17 ما مجموعه 25 سفينة شحن، منها 24 سفينة تجارية، بالإضافة إلى 430 دبابة و200 طائرة، ما يعادل ثلث القوة الجوية في ستالينغراد، كما قتل 153 بحارًا وتلفت آلاف الأطنان من الإمدادات.

من هو Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية على يوتيوب؟

Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.

هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟

نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.

Helpful resources related to this video

If you want to practice or explore the concepts discussed in the video, these commonly used tools may help.

Links may be affiliate links. We only include resources that are genuinely relevant to the topic.

Full transcript is not shown on this page

This page focuses on the summary and original notes. For full verification, refer to the original YouTube video.

PDF