أحكام التداول في الأسهم وفق الشريعة الإسلامية: ملخص شامل
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم علمنا ما ينفعنا وارفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً واغفر لنا يا رب العالمين.
أما بعد، حياكم الله معشر الأحبة الكرام، ونرحب كذلك بالإخوة معنا في البث في هذا اللقاء الذي كان السبب الدافع له كثرة الأسئلة في الفترة الأخيرة. لا أبالغ إن قلت أنه يومياً لا يمر يوم إلا وأُسأل فيه عن سؤال يتعلق بالتداول، سواء كان الأسهم، البورصة الأمريكية، الفوركس، كل ما يتعلق بالتداول. فمع كثرة هذه الأسئلة، قلت ليكون في لقاء أتكلم فيه بما يتيسر، وكذلك يسرني أن يكون من ضمن الحاضرين إخوان مجموعة من الإخوة يساعدوني كذلك في بعض التصورات الواقعية، وممكن ندردش حولها إذا استدعى الأمر.
قبل أن أبدأ في أحكام التداول، أود أن أتكلم عن مقدمة في أربع نقاط رئيسية.
مقدمة في أحكام التداول
1. المال مال الله
أذكر فيها نفسي ومن يسمعني بأن المال مال الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى قد استخلفنا في هذا المال. قال ربنا سبحانه وتعالى: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه"، وقال ربنا سبحانه وتعالى: "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم". السبب الداعي لبحث القضايا الشرعية المتعلقة بالتداول هو أن المال مال الله سبحانه وتعالى، وأننا لسنا مخيرين في كيفية التعامل مع هذا المال. نحن يجب أن نكون محكومين بما حكم الله سبحانه وتعالى به في هذا المال، إباحة ومنعاً. هذه قضية يجب أن تُفهم، فلا يعتقد الواحد منا أن المال إذا اكتسبه أنه صار مالاً له على الحقيقة يفعل فيه ما يشاء، كما هو التصور المادي اليوم الذي يستبعد أي قضية تتعلق بالأمور الدينية، ويقول: "لا تدخلوا الدين في الأمور المالية". هذا أمر يجب أن يفهمه كل مسلم، أن القضية قبل أن تتكلم عن أي حكم شرعي يجب أن تفهم أن المال الذي بيدك هو مال الله تعالى قد استخلفك فيه، وأنك ستُسأل عنه يوم القيامة: من أين اكتسبته وفيما أنفقته.
2. الأصل في المعاملات الحل والإباحة
من سماحة هذا الدين أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة. وهذا من سماحة الدين من جهة، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى من جهة أخرى، وذلك أن المعاملات تتطور بشكل مستمر. لذلك، الشريعة الإسلامية جعلت الأصل في المعاملات الحل، ووضعت ضوابط معينة. هذه الضوابط إذا انطبقت على أي معاملة من المعاملات، حُكم عليها بالإباحة أو الحل، أي عدم وجود الربا، عدم وجود الغش، عدم وجود الغرر. إذا انطبقت كل هذه الضوابط، لا يهمنا شكل المعاملة، لا يهمنا أسلوب هذه المعاملة من جهة كونها إلكترونية أو غير إلكترونية. إذا انطبقت فيها الشروط الشرعية، فإن المعاملات المالية في الإسلام هي عبارة عن قواعد عامة. إذا تجاوزتها المعاملة أو تجاوزها العقد، أُبيح وحُل، وإن توقف عند واحد منها، حُرّم. فالنظر إذاً من حيث الأصل أنها على الإباحة ما لم تتصادم أو تتعارض مع واحد من الضوابط الشرعية.
3. حرمة الدخول في معاملة مالية قبل التأكد من حكمها الشرعي
يحرم شرعاً على كل مسلم أن يدخل في أي معاملة مالية قبل أن يتأكد من حكمها الشرعي. وهذا من العلم الواجب الذي يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". والمقصود بطلب العلم الذي هو فريضة على كل مسلم، كما يقول العلماء، هو ما لا تصح عبادات المسلم إلا به ومعاملات المسلم إلا به. ويؤكد هذا المعنى ما روى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً عليه يقول: "لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين"، وفي رواية: "لا يبع في سوقنا من لا يعرف الربا". لذلك، القضية هنا قضية مهمة، كل واحد فينا يجب عليه قبل أن يدخل في أي معاملة أن يتأكد من مشروعيتها، قبل أي سؤال: مربحة، غير مربحة، آمنة، غير آمنة. هذه كلها تأتي لاحقاً. السؤال الأول: ما مشروعية هذه المعاملة؟ سواء يتعلمها بنفسه أو يسأل من يثق به.
4. انتشار الربا وظهور المعاملات المحرمة
هذا الزمن قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من علامات الساعة، وفيه انتشار الربا وظهور المعاملات المحرمة. هذه قضية يجب أن نضعها في أذهاننا. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن الحلال أم من الحرام". وهذا مع الأسف موجود اليوم. هناك كثير، لا أقول من الكفار، دعك من الكفار، من أبناء المسلمين من لا يستحضر سؤال الحلال والحرام في معاملاته، غير وارد بالنسبة له. يتكلم في كل شيء إلا سؤال الحلال والحرام. وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: "ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن الحلال أم من الحرام". وفي معجم الطبراني الأوسط عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بين يدي الساعة ظهور الربا". وهذا حديث حسن.
أحكام التداول
كلمة "التداول" كلمة معاصرة، ولكن تدخل تحتها مسائل كثيرة. لدينا تداول الأسهم، تداول الذهب، تداول العملات سواء كانت عملات حقيقية أو عملات رقمية، وغيرها من أنواع التداول.
1. الأسهم
الأسهم جمع سهم، والسهم في حقيقته جزء أو نصيب من ملكية شركة ما. يعني إذا اثنان متشاركان في شركة، فكل واحد عنده سهم بنسبة 50% من الشركة. إذا صاروا ثلاثة، صاروا ثلاثة أسهم. إذا صاروا عشرة، عشرة أسهم. ألف شخص متشاركين في شركة، معناته عندنا ألف سهم. إذا الواحد منهم يبي يبيع نصيبه من الشركة، اللي هو واحد على ألف، يقول: "أنا ببيع سهمي". ببساطة، هذا هو السهم، هو نصيب كل إنسان من شركة ما.
إذا تقرر هذا، يتضح عندنا أنك بمجرد شرائك لسهم، فإنك تصير شريكاً ومالكاً في شركة ما. يعني أنك مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى عن أنشطة هذه الشركة. وبحكم أن الأصل أن المالك هو الذي يدير، ولكن بسبب كثرة المالكين، صار ما يسمى بمجلس الإدارة الذي ينتخبه المالكون. المالكون عندهم اجتماع سنوي. بعض الناس غير مستوعب معنى السهم، يظن أن السهم سلعة هكذا مثل الماء، مثل شيء يُباع ويُشترى. لا، السهم هو ملكيتك في شركة، في كيان ما. وبالتالي، أنت المفروض تكون مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى عن أنشطة هذه الشركة.
أنشطة الشركة أو أي مؤسسة لها نوعان: 1. النشاط الأساسي: الذي أُسست من أجله التجارة. فشركة العقارات تبيع وتشتري بالعقارات، وشركة البنك تتعامل في المعاملات البنكية، والشركات الزراعية تتعامل بالزراعات، وهكذا. 2. إدارة سيولة الشركة: كل شركة مهما كان نشاطها فيها سيولة. فأين تضع هذه السيولة؟ أين تودعها؟ كيف تتعامل بها؟ هل تستثمر هذه السيولة باستثمارات تجارية معينة أم تضعها في ودائع في بنوك؟ لأنه ليس من المعقول أن تضع كل سيولتها في نشاطها، أكيد في نسبة معينة من السيولة تحتفظ بها.
أقول هذه الأساسيات لأنه ينبني عليها حكم شرعي. مثال: شركة "س" من الشركات، لنفترض أنها شركة اتصالات. نشاطها الأساسي هو اتصالات وبيع خطوط اتصال وتقديم خدمات الاتصالات والإنترنت إلى آخره. هذه الشركة بطبيعة الحال تحصل شهرياً عقود الاتصال التي هي مسويتها. أين تضعها؟ تضعها في أوعية لإدارة السيولة. هذه الأوعية إما أن تكون، وهذا في الغالب، ودائع في بنوك، أو تضعها في إدارة في بعض الشركات الكبرى تدير هذه السيولة باستثمارات أخرى غير نشاط الشركة. يعني يكون عندهم إدارة استثمار، يقول لك: "أنا ليش احتفظ بالسيولة هذه وآخذ نسب ضئيلة؟ خلني أستثمرها، أنمي سيولة الشركة".
إذاً، لابد من النظرين عندما ننظر إلى أي شركة: نشاطها وإدارة سيولتها.
إذا تقرر هذا، فإن الشركات تنقسم إلى ثلاثة أقسام بالنظر إلى حكم الاكتتاب أو شراء أو تداول أسهمها:
أ. الشركات المتطابقة مع الشريعة الإسلامية
هذا اصطلاح حديث وليس قديماً. المقصود بالشركات المتطابقة مع الشريعة هي التي لا تعارض الشريعة في قسميها: * قسم النشاط: فيكون نشاطها مباحاً، مثل شركات عقارية، شركات اتصالات، شركات زراعية، شركات ملابس إلى آخره. * قسم إدارة السيولة: لا تخالف الشريعة في أسلوب إدارة سيولتها، بمعنى أن الأموال التي تحتفظ بها هذه الشركة لا تضعها في بنوك ربوية، لا تدخل في استثمارات محرمة، وإنما تنضبط إدارة سيولتها بضوابط شرعية. وهذا لا يكون إلا بوجود هيئة شرعية مشرفة على هذه الشركة. فنستطيع أن نقول إن علامة الشركات المتطابقة وجود رقابة شرعية عليها. إذا ما في رقابة شرعية، بطبيعة الحال الموظفون في الشركة ليسوا متخصصين في الشريعة، فبالتالي عندنا مشكلة. وإن كان نشاطها المعلن مباحاً، لكن عندنا مشكلة في أسلوب إدارة السيولة، تضع أموالها في بنوك ربوية، يمكن تدخل في استثمارات محرمة، يمكن هي نشاطها مباح لكن تستثمر مثلاً في بنوك ربوية، تشتري أسهم بنوك ربوية مثلاً.
هذا النوع الأول، ولا أعرف في المعاصرين من يخالف في إباحة شراء أسهم هذا النوع من الشركات. طالما أنها مباحة النشاط وإدارة السيولة عندها ليست فيها أمور محرمة، فهذه شركات متطابقة مع الشريعة، لا إشكال في إباحة اقتناء وتداول أسهمها. فإذا اشتريت سهماً فيها، فأنت معناته صرت أحد ملاك هذه الشركة. أين إدارتك؟ أنت ما راح تديرها بنفسك، أنت راح يكون لك الحق في التصويت في الجمعية العمومية لهيئة تدير بالنيابة عنك هذه الشركة. مستحيل مليون شخص يديرون شركة، فهؤلاء المليون يجتمعون في جمعية عمومية كل سنة ويختارون من يمثلونهم في الإدارة. فأنت تدير هذه الشركة من خلال ممثلين الذين أنت صوتت عليهم في الشركة.
ب. الشركات المحرمة في نشاطها
إذا كانت محرمة في نشاطها، فهل ستتبع في إدارة سيولتها؟ أكيد لا. مثل شركات البنوك الربوية، على أصرخ وأوضح مثال. شركات الخمور، كل الشركات التي نشاطها محرم. شركة مثلاً التبغ والزجاج، شركة إنتاج الأفلام والمسلسلات والموسيقى والتي لا تخلو من محرمات. هذه أصل نشاطها محرم، وهذه لا أعرف من يبيح شراء وتداول أسهمها.
ج. الشركات المتوافقة (المختلطة)
هذا هو القسم الثالث، وهو الذي اصطلح على تسميته بالشركات المتوافقة، أرادوا أن يفرقوه عن الشركات المتطابقة. ما معنى الشركات المتوافقة؟ الشركات المتوافقة هي التي أصل نشاطها مباح، وهذا القسم الأول من الشركة، كأن تكون شركة اتصالات، شركة زراعة، شركة عقارية أياً كان. ولكن إدارة السيولة فيها ليست ملتزمة بالضوابط الشرعية، وبالتالي عندها اقتراضات ربوية، تقرض بالربا، تتعامل بالربا، تضع أموالها في بنوك ربوية، تتعامل تعاملات ربوية فيما يتعلق بإدارة السيولة.
هذا النوع من الشركات، إذا كانت التعاملات الربوية فيها، نحن نستحضر أن شرائك لسهم هذه الشركة يعني أنك صرت شريكاً، وبالتالي ما يحق لك أن تقول: "والله أنا مالي شغل، هم كيفهم، ذنبهم على جنبهم، أنا مجرد حامل سهم". لا، أنت لست مجرد حامل سهم، أنت شريك ودخلت بعلمك أن هؤلاء يفعلون هذا الأمر.
لو نبسط الموضوع ونصغر المثال إلى محل تجاري يملكه اثنان. أموالهم مختلطة. لو أنا وشريكي وضعنا رأس مال، أنا 10 آلاف دينار وشريكي 10 آلاف دينار، وخلطنا الـ 20 ألف في طاسة واحدة. أنا وإياه نديرها، أو أنا افترض وكلت شريكي في إدارتها. ولنفترض أنها شركة مثلاً صناعة طابوق، مصنع طابوق. فقلت له: "هذه 10 آلاف مالتي يا شريكي، ضع أنت 10 آلاف واشتغل". خلط الـ 20 ألف، وراح أخذ منها 5 آلاف ووضعها في مواد أولية لصناعة الطابوق، قاعد يشتغل فيها، ما عندنا مشكلة. الـ 15 ألف الباقية في الطاسة، قال: "ليش أخليها موجودة؟ خلني أروح أقرض جارنا الـ 15 ألف وآخذها منه بعد شهر 20 ألف، قرض ربوي". هذا حرام بالإجماع. أنا دريت، أنا شريكه، دريت. ما حكم سكوتي عن هذا الحرام؟ هل يسوغ لي أن أقول: "أنا مالي شغل، كيفه"؟ لا، ليس كيفه، أنت هذه فلوسك التي ستُستعمل في الحرام. فلوسك هذه الـ 15 ألف، نصفها لك، وأنت بعلمك هذا الشيء. ما المطلوب مني أن أفعل؟ المطلوب منك إما أن تمنع إن كنت تملك ذلك، وإن لم تستطع، يجب عليك أن تنسحب. ما يجوز أن تقول: "والله هذا شريكي، شو أسوي أنا مالي شغل؟" لا، لك شغل، أنت شريك مع هذا الإنسان في إدارة هذا المال.
إذا اتضح هذا المثال، نرجع لموضوع الشركات. هي نفسها بالضبط، كل ما في الأمر أنهم كثر عدد الملاك بس لا أكثر ولا أقل، لكن نفس المبدأ.
إذا كان هذا المبلغ الموجود، السيولة الموجودة غير المستثمرة واقعياً في النشاط التجاري، كلها أو أغلبها موجودة في معاملات ربوية محرمة، فلا أعرف أحداً يبيح هذه الشركة، لا شراء ولا تداولاً.
حصل خلاف في قضية لو كانت هذه التعاملات الربوية ليست هي الأصل، وإنما هي بنسبة قليلة. ما هي هذه النسبة القليلة؟ صار عندنا رأيان: * الرأي الأول: يقول لا نسبة قليلة ولا نسبة كثيرة، درهم ربا كألف درهم ربا، ولا يجوز الرضا بالدرهم من الربا كما أنه لا يجوز الرضا بالألف، لأن المبدأ واحد أن هذا تعامل ربوي. وبالتالي، هذا الرأي الفقهي يحرم تداول وشراء الأسهم في الشركات التي لها اسم آخر غير الشركات المتوافقة، يسمونها الشركات المختلطة أو يسمونها الأسهم المختلطة. لماذا سميت مختلطة؟ لأننا عندنا، مثل ما قلنا، نشاط وإدارة سيولة. نشاطها مباح، وسيولتها، إدارة سيولتها محرمة، فخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً. * الرأي الثاني: يقول نحن عندنا بالفقه قواعد تسمى قاعدة فقهية تقول: "يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في الأصول"، وأن هناك من المعاملات ما لو أُفرد لحرم، ولكن كونه انضم مع معاملة أخرى أو دخل في عقد آخر، تساهلوا فيه. مثل بيع حبل الحبلة (حمل الدابة). لو عندك بقرة حامل، ما حكم شراء ما في بطنها؟ حرام، لأن فيه جهالة، ما تدري هل يخرج ميتاً، هل يكون سليماً، هل يكون غير سليم. حتى تولد بالسلامة، بعدين تبي تبيعها تبيعها، تبي تشتريها تشتريها، ما عندك مشكلة. طيب ما حكم شراء البقرة الحامل؟ جائز. طيب شلون تقولون حمل بروحه ما يصير، وبقرة حامل يصير؟ أين ذهبت الجهالة؟ هل الجهالة انتفت؟ نقول ما انتفت، ولكن اغتفرت الجهالة لأن الأصل منصب على البقرة، والبقرة خلي نقول أغلبها واضح ومعروف. اغتفرت جهالة حملها ضمن ما اغتفر، لأن الجهالة اليسيرة تندرج مع العقد. مثل البيت الآن، لو شراء البيوت، البيت فيه شيء مجهول، أساسات البيت مجهولة، لكن اغتفرت الجهالة لأجل صحة البيع. فقالوا: "تعالوا يا جماعة، هذه قاعدة فقهية، ونحن أمام شركات نشاطها مباح وغالب تعاملاتها ليست محرمة، وعندها تعاملات يسيرة". ما ضابط اليسير؟ قالوا: "ضبطناه بالثلث". لماذا الثلث؟ استأنسوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث سعد مع أنه في سياق الوصية: "الثلث والثلث كثير". قالوا هذا ضابط الكثير فيما يتعلق بالمال.
خلاصة هذا الرأي يقول لك: الشركات مباحة النشاط التي تقرض وتقترض، أو بعبارة أشمل، إدارة السيولة فيها ليست منضبطة بالضوابط الشرعية، إذا كانت الشركات تقرض وتقترض بما هو دون الثلث أو الثلث وما دون، فإنه يغتفر ذلك ويُباح شراء سهم هذه الشركة، ويُباح تداوله بشرط وهو ما يسمى بـ التطهير.
ما معنى التطهير؟ التطهير هو النظر في نسبة التعاملات المحرمة. وهذه لها حسبة عند المحاسبين: القروض الربوية، التعاملات الربوية، كم شكلت بالمئة من مجمل السيولة؟ يقول لك: "والله 20%، 15%، 10%". تُطهر هذا السهم بعد تصفية. أنت الآن إما أن تكون مضارباً أو تكون مستثمراً. فإذا كنت مستثمراً، والمستثمر هو الذي ينتظر الأرباح بعد كل سنة، تُطهر من الأرباح بنفس النسبة التي استُعملت في المحرم. بمعنى مثال: لو مثلاً قالوا لك، أنت ما راح تحسبها بنفسك، أنت راح تستشهد بالمحاسبين، كم القروض الربوية في الشركة؟ كم بالمئة تشكل؟ قال لك 20%. لو فرضنا أن أرباحك 100 دينار، راح تطلع 20 دينار. أين توديها؟ تطهير. ما معنى تطهير؟ تعطيها للفقراء والمساكين. ليست صدقة. بعض الناس يقول: "تصدق بها". هي ليست صدقة، هي تخلص من المال الحرام. والفتاوى المعاصرة تقول: "تجنب البناء فيها، بناء المساجد وطباعة المصاحف، وتُدفع للفقراء والمساكين، المستشفيات، تبليط، سفلته الشوارع، المصالح المسلمين العامة".
أنا لا أود اليوم أن أفرض رأيي، وإن كنت أنا على المستوى الشخصي أميل للرأي الأول، عدم الدخول في الشركات المختلطة، على اعتبار أن درهم ربا كألف دينار من الربا. وكذلك صعوبة انضباط النسب، وبالتالي سيكون هناك صعوبة في التطهير. ولكن نحن نمشي لأن هناك آراء معتبرة ومجامع فقهية وهيئات شرعية كثيرة جداً ماشية على الرأي الثاني، وهو رأي له حظ من النظر ومعتبر، وما فيه أي مشكلة إن شاء الله تعالى لمن أراد أن يتبنى.
2. البورصة
إذا تقرر هذا، يأتي السؤال: ما حكم التداول في البورصة؟ البورصة باختصار هي سوق تداول الأسهم والسندات. ما في شيء اسمه حكم البورصة حرام أو حكم البورصة حلال، لأنك إذا قلت حكم البورصة حرام، كأنك تقول السوق حرام أو السوق حلال. ما في شيء اسمه السوق حلال. السوق فيه عقود، فيه بيوع كثيرة، فيه أنواع كثيرة، فلا بد أن تُفصل. أصل البورصة حلال مباح، هو عبارة عن مكان لالتقاء وتداول الأسهم، مثل سوق الذهب، مثل سوق الكتب، مثل سوق الخضرة. في الحقيقة، صار في هناك نوع معين من البيوع وتتداول فيها، يسمونه سوق الأسهم، وصار اسمه باختصار بورصة (Stock Market).
نقول: البورصة يجوز أن تتداول فيها بالنسبة للأسهم المتطابقة مع الشريعة، لا إشكال في بيعها وشرائها واقتنائها. أما في أسهم المحرمة، مثل أسهم البنوك الربوية، أسهم الشركات محرمة النشاط، فيحرم اقتناؤها وتداولها. أما في النوع الثالث، الأسهم المختلطة، فهي على الرأيين الفقهيين. إذا اقتنعت أو أردت أن تتبنى من يبيح ذلك، فنقول: عليك أن تنتبه لما يسمى بنسبة التطهير.
3. البورصة الأمريكية
إذا تقرر هذا، هذا يجرنا إلى النقطة التي تليها وهي البورصة الأمريكية. البورصة الأمريكية، هناك بورصة في نيويورك، هناك بورصات عدة في أمريكا، أو أسهم الشركات الأمريكية. القول فيها كالقول في أسهم الشركات الكويتية، أسهم الشركات السعودية، أسهم الشركات البحرينية، سواء بسواء، ما في فرق. كل ما هنالك أن اليوم صار في توسع، صار في منصات إلكترونية تسمح لك بتداول الأسهم في البورصة الأمريكية.
تداول الأسهم في البورصة الأمريكية وفي غيرها له عدة أساليب، منها شراء السهم بشكل مباشر. طبعاً راح نأتي لأنواع العقود هذه بعدين. نحن نتكلم الآن عن الشراء العاجل، اللي هو تشتريه، تملك السهم (Spot Rate). هذا اللي بنتكلم عنه، ما بنتكلم الآن عن الآجل وعقود الاختيارات، هذه بعد شوي راح أتكلم عنها إن شاء الله. نحن نتكلم الآن عن الشراء العادي الطبيعي، تملك فيه السهم مباشرة.
نفس الشيء يقال في الأسهم الأمريكية كما أنه يقال في الأسهم الكويتية. يعني ماذا؟ الشركات المحرمة في أمريكا الأمر أوضح من الكويت وغير الكويت. هناك في شركات قائمة على أمور محرمة. هناك شركات مثلاً بنوك ربوية، هناك شركات بيع خمور، هناك شركات قمار، شركات كبرى. هذا نوع من الشركات قطعاً ولا إشكال في حرمة تداولها.
وبالتالي، هناك ما يسمى بـ ETF (Exchange Traded Fund)، وهو أنك تشتري محفظة أو تدخل في استثمار ما تشتري سهماً معيناً. يشترون لك أفضل نصيب في أفضل 500 سهم. ما حكم ذلك؟ الجواب: حرام. لماذا؟ لأنهم لا يراعون الشركات مباحة النشاط ومحرمة النشاط. وبالتالي، إذا اختلط، إذا صار عندنا حاضر ومبيح، يغلب الحاضر. وقد يقول: "لكن ممكن يكون لا". ما في ممكن. هل عندهم ما يردعهم عن أن يشتروا لك في شركات محرمة؟ الجواب: لا. وبالتالي، الأصل أن تتوقف. واحد يقول: "توك تقول الأصل في المعاملات الحل". نقول: نعم، الأصل في المعاملات الحل، لكن ليس الأصل في إجراء العقود الحل. بمعنى: ما يصير أنا أعطي واحد أقول له: "تفضل هذه ألف، روح اشتغل لي في سوق فيه كثير من المعاملات المحرمة دون أن أنبه". هو لا، لازم هنا عليه مسؤولية أن أقول له: "ترى أنا لا أبيح لك أو لا أسمح لك أن تشتري وتتعاقد بمعاملات محرمة".
فإذاً، في البورصة الأمريكية، شراء الشركات المحرمة لا يجوز. الـ ETF أفضل 500 إذا كانت غير منضبطة ولا يد لك فيها ولا تملك أن تسمح أو تمنع في أي شركة فيها، أيضاً لا يجوز.
بقي عندنا الشركات المتطابقة. أنا سألت ولم أجد جواباً: هل يوجد في البورصة الأمريكية شركات متطابقة أصلاً، يعني حتى سيولتها لا تتعامل فيها بالربا؟ نعم، يعني ما يوجد شركة في البورصة الأمريكية متطابقة مع الشريعة. أنا بحثت صراحة، لأنه هو احتمالياً عقلياً ممكن، بس واقعياً سألت فلم أجد.
بقي النوع الأخير اللي قلناه قبل شوي، اللي هو الشركات المختلطة. هناك منصات عندهم اجتهادات جزاهم الله خير. في بنوك عندنا في الكويت عندهم منصات معينة يعطونك قوائم إسلامية. ما معنى كلمة "إسلامية"؟ يقصدون فيها الشركات التي تتوافق مع الشريعة، أصل نشاطها مباح، وتتعامل بالربا بأقل من الثلث. وهذه أنا سألت بعض الإخوة القائمين عليها، قالوا: "نحن ما نلحق، وأحياناً يكون تصنيفنا آلي عبارة عن إكسل، نضع ضوابط في الإكسل وهو الذي يصنف لنا". فالإكسل أحياناً يزرق لك بالغلط صحيح بعض الأشياء أنت ما تنتبه لها. وهنا أنا أنبه: من أراد الورع، يبتعد عن البورصة الأمريكية بكبرها. أما الذي يتبنى رأي مثل رأي الحرمة، فهذا خالص منه، يسكر الباب على نفسه. الذي يرى حرمة التعامل مع الشركات غير المتطابقة مع الشريعة، اللي هو فقط النوع الأول، يرى فقط المباح هو النوع الأول، فهذا مغلق أمامه سوق الأسهم الأمريكية، لأنه ما عنده هذا النوع من الشركات.
السندات: هذا الذي قصدته بإدارة السيولة، هذه أحد
Takeaways
- المال في يد المسلم هو مال الله وقد أوكل إليه، لذا يُسأل عن مصدره واستخدامه يوم القيامة.
- الأصل في المعاملات المالية هو الإباحة ما لم تتعارض مع ضوابط الشريعة مثل الربا والغرر والاحتيال.
- يجب على كل مسلم طلب العلم الشرعي قبل الدخول في أي معاملة مالية لتأكيد مشروعتها.
- الشركات تُصنّف إلى متطابقة مع الشريعة، محرمة، ومختلطة؛ وتحدد جواز تداول أسهمها بناءً على نشاطها وإدارة سيولتها.
- في حالة الشركات المختلطة يُسمح بالشراء إذا كانت نسبة المعاملات الربوية أقل من الثلث بعد تطبيق ما يُسمى بـ "التطهير".
Frequently Asked Questions
ما معنى التطهير في تداول الأسهم وفق الفقه الإسلامي؟
التطهير هو حساب نسبة القروض أو المعاملات الربوية في إجمالي سيولة الشركة ثم تخصيص هذا النسبة من الأرباح للإنفاق المشروع كإعانة الفقراء أو بناء المساجد، بحيث يُنقّى المال من ما يُعد حراماً ولا يُعد صدقة بل وسيلة لتطهير الأرباح من أثر الربا.
لماذا يُعتبر المال مال الله في الفقه الإسلامي؟
المال يُعتبر مال الله لأن القرآن يذكر أن الله هو مالك كل شيء وأن الإنسان مُستخلف في أمواله، لذا يُسأل عن مصدر المال وكيفية إنفاقه، ويُحاسب على ذلك يوم القيامة وفقاً لتعاليم الشريعة الإسلامية.
من هو د. مطلق الجاسر على يوتيوب؟
د. مطلق الجاسر قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.
هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟
نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.