قصة خليفة بن عسكر: من المقاومة الليبية إلى إعدامه في الزاوية

 26 min video

 8 min read

YouTube video ID: 0V8_sA0YomY

Source: YouTube video by Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقيةWatch original video

PDF

لطالما تداولت القصص حول شخصيات نضالية ليبية، تتأرجح بين الواقع والأسطورة. لكن شخصية خليفة بن عسكر أثارت تساؤلات عميقة دفعت الباحث أكرم إلى رحلة بحث في جبال نالوت وآثارها القديمة وسكانها الشاهدين على تلك الحقبة التاريخية.

نشأة خليفة بن عسكر

كان اللقاء الأول للباحث أكرم مع حفيد بن عسكر، الشيخ سعيد عمرو، الذي تحدث عن أصول جده ونشأته. خليفة بن عسكر هو خليفة سعيد علي عسكر، ووالدته فاطمة سعيد يوسف عسكر. كان والده ميسور الحال، وعاش خليفة ضمن عائلة مكونة من ثمانية أفراد.

يصعب تحديد الفترة الزمنية الدقيقة لولادته، لكن الأقرب أنه ولد بين عامي 1874 و1878. ينتمي خليفة بن عسكر إلى قبيلة العساكرة، وهي إحدى القبائل التي تتكون منها مدينة نالوت، إلى جانب قبيلتي المجادمة والعزابة.

تلقى خليفة بن عسكر تعليماً دينياً في كتاتيب مدينة نالوت، حيث أتقن اللغة العربية وحفظ أجزاء من القرآن الكريم في مساجد نالوت. لم يكن خريج مدارس أو جامعات بالمعنى الحديث، بل شق طريق حياته كغيره من الليبيين في الرعي والزراعة، وكان مشهوراً بفروسيته وصيده. عمل أيضاً مؤلفاً في الكتاتيب بالإضافة إلى عمله كفلاح، وهو ما يعكس نمط الحياة في أواخر العهد العثماني.

الغزو الإيطالي وبداية المقاومة

بعد تعمق الباحث في التركيبة الاجتماعية والنفسية لخليفة بن عسكر، تساءل عن مدى تأثر هذه الشخصية بالظروف والأحداث السياسية التي شهدتها ليبيا في تلك الفترة. بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وبداية الغزو الإيطالي عام 1911، كانت ليبيا آخر ولاية عثمانية في شمال أفريقيا خارج سيطرة الاستعمار، مما دفع الإيطاليين للتفكير جدياً في احتلال طرابلس.

في بداية عام 1911، عندما حضرت إيطاليا لغزو ليبيا، انقسم الزعماء إلى قسمين: قسم ينادي بالجهاد ومحاربة الاستعمار، ومنهم سليمان باشا الباروني وخليفة بن عسكر وبعض المجاهدين. وقسم آخر رأى عكس ذلك، معتبراً أن الجهاد ضد الإيطاليين غير ممكن نظراً لقوة الجيش الإيطالي، ودعا إلى مهادنتهم.

شهدت تلك الفترة معارك كبرى حول العاصمة، مثل معارك قرقارش والهاني وشارع الشط في بومليانة. ثم تقدم الإيطاليون في الشرق والغرب، ووقعت معركة جندوبة.

كان بن عسكر يعمل تحت قيادة سليمان باشا الباروني، الذي كان يعتبر القائد العام. يُعتقد أن أول معركة قادها بن عسكر كانت معركة جندوبة، حيث كان قائداً لمحلّة مجاهدي نالوت.

اعتكاف بن عسكر وعودة المقاومة

بعد حديث الباحث مع الدكتور مسعود العزابي عن الانشقاق في صفوف المقاومين إثر هزيمة معركة جندوبة وعودة بن عسكر إلى نالوت واعتكافه في المسجد، لم يكن يخطر ببال أحد، حتى بن عسكر نفسه، أن هذه المرحلة ستكون أولى مواجهاته مع المستعمر الإيطالي التي ستخط اسمه في تاريخ النضال.

كانت الأسباب المباشرة للثورة أو المواجهة مع الإيطاليين هي استيلاء إيطاليا عنوة على جمال سكان مدينة نالوت، والتي كانت وسيلة الحرث في موسم نوفمبر 1914. واجه الناس هذا الأمر بغضب وتململ واضح.

هنا، قام بن عسكر بالثورة. جمع الشباب في نالوت، وتحديداً في منطقة تسمى "قصبه جوجه"، حيث أقسموا على الجهاد. اتصلوا بشباب من أولاد محمود وقرروا المقاومة. تجمع حوله مجموعة من المقربين، منهم عيسى بن فوشيت، والمبروك بن عسكر، ويحيى بن ناكوع، وجرقاب، وعلي بحاج، ولم يتجاوز عددهم التسعة أشخاص.

في تلك الفترة، كان خليفة بن عسكر معسكراً في الوادي. بدأت أول مواجهة عندما اعترض قافلة إيطالية. في الساعة الرابعة صباحاً من يوم 28 نوفمبر، ضرب خليفة بن عسكر قافلة في "لقن عمران" كانت قادمة من طرابلس وتحمل الذخيرة والمؤن. ما قام به بن عسكر هو قطع خطوط الإمداد عن القوات الإيطالية الموجودة في نالوت، سيناون، درج، وغدامس. اضطرت هذه القوات إلى الانسحاب إلى منطقة مشيق وتسليم نفسها بسلاحها للسلطات الفرنسية. بعد معركة لقن عمران، أصبح الجبل بالكامل خالياً من القوات الأجنبية، حيث انسحبت جميع القوات إلى طرابلس.

كان المجاهدون يتلقون الدعم من جيرانهم في تونس والجزائر، الذين كانوا يزودونهم بالقمح والتمر.

في اليوم التالي، واجه بن عسكر قوة إيطالية مكونة من 2000 جندي ليبي و1000 جندي حبشي في "جويبية"، وكان معه 75 مقاتلاً فقط. هذا جعله ينسحب هو وأسرته بالكامل ومعظم الأسر النالوتية من المدينة خوفاً من الانتقام، وتوجهوا إلى تونس.

عندما تجمعوا عند المعبر الحدودي، طلبت القوات الفرنسية منهم تسليم أسلحتهم، ووضعوهم في محتشد قبلي، حيث فرضوا عليهم ظروفاً صعبة جداً أشبه بالمعتقل.

العودة إلى ليبيا والانضمام للسنوسية

خلال فترة وجوده في محتشد قبلي، تراءت للباحث صورة خليفة بن عسكر، الجبلي الحر الرافض لكل قيد، وهو يفر من المحتشد ليعود مع رفاقه إلى الأراضي الليبية. انضم من جديد إلى المقاومة، ولكن هذه المرة تحت الراية السنوسية، التي مثلت نقطة تحول في تاريخه النضالي.

أصبح قائداً عسكرياً تحت إمرة السنوسية، وبدأ يوجه مراسلات يختمها بتوقيعه "خادم السنوسية". بذلك، اكتسب صفة القيادة الإدارية والعسكرية، وساهم في المشاركة في المعارك التي حدثت في هذه الفترة.

خاض المجاهدون معركة الباب تحت قيادة الشيخ الجليل المهدي كنيفة. ثم جاءت معركة مجزم، وبعد تحرير مجزم، برز بن عسكر كقائد للمنطقة، حيث قاد محلة مختلطة من الغرب وكل الجبل.

تقدم لمعركة كاباو، وتم سحق الحامية بالكامل، وأسروا 50 جندياً، بينما فر الباقون. بعد أسبوع، دخل معركة تكوت، حيث انسحب الإيطاليون خوفاً، وتم سحق حاميتهم في نالوت.

صحيح أن بعض المعارك كانت خسائرها فادحة، مثل الجربية والهاني. لم تكن المعارك تستمر لساعات طويلة، بل كانت ضربات مفاجئة وانسحاب، ثم إعادة الكرة مرة أخرى، وهي استراتيجية عرفت في معارك الأعيان.

عندما سأل موسوليني الجنرال غراتسياني، الذي كان لديه خبرة في عدة معارك، لماذا لم يتمكن من القضاء على "المتمردين" في ليبيا، أجاب غراتسياني: "يا سيدي، لسبب واحد فقط، أنا لا أحارب أناساً عندهم حكومات، وإنما أحارب أناساً حكوماتهم على ظهور خيولهم".

الجمهورية الطرابلسية ومفاوضات السلام

بعد الانتصارات التي حققتها المقاومة على المستعمر الإيطالي وسيطرتها على الجبل الغربي، وتشكيلها سياسياً تحت مسمى الجمهورية الطرابلسية، توصل الباحث في رحلة بحثه إلى وثائق تؤكد دخولها في مفاوضات مع الإيطاليين من أجل الهدنة وتقاسم الحكم. حملت هذه الصفحة في تاريخ ليبيا الكثير من الغموض والخفايا.

القصة وما فيها أن إيطاليا، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، خرجت منتصرة ولكن منهكة القوى، ولم يكن لديها استعداد لخوض غمار حرب أخرى من أجل احتلال ليبيا.

لكن الحكومة الإيطالية، التي كانت محاصرة في مدينة طرابلس والخمس فقط في المنطقة الغربية، ولم يكن لديها أي سلطة على باقي المناطق، وجدت نفسها مضطرة للدخول في مفاوضات مع الجمهورية الطرابلسية، لكسب الوقت أولاً، ثم بعد ذلك للوصول إلى تفتيت هذا الشكل السياسي.

نتج عن ذلك صلح بني أسواني، الذي كان من ضمن بنوده أن يكون الليبيون مشاركين في الحكم، أو على الأقل أن يصبح لقيادات المنطقة الغربية حق الإدارة المحلية وانتخاب مجلس محلي. وأصبح بن عسكر هو الحاكم الفعلي للجبل بالكامل، جبل نفوس أو الجبل الغربي.

التخلص من خليفة بن عسكر

كانت بعض الشخصيات الأخرى ترى في عودة خليفة بن عسكر لقيادة المنطقة خطراً، فأوعزوا للإيطاليين بذلك. أرادت إيطاليا التخلص من القيادات ذات الوزن الثقيل، ورأت أن عودة بن عسكر تشكل خطراً عليها. من هنا بدأ التفكير في مسألة التخلص من خليفة بن عسكر.

بدأت إيطاليا في تحريك النعرات القبلية والعرقية والدينية، والتي ستأتي نتائجها وخيمة جداً على حركة المقاومة في المنطقة الغربية، وهو الدخول في حرب أهلية أولى وحرب أهلية ثانية، وتفتت القيادات، وانتهاء المقاومة نهائياً.

أدى الصراع من أجل الزعامة إلى تفتت المقاومة في الجبل، وتخبط بن عسكر بين الإيطاليين والليبيين من أجل استرجاع مكانته. فهل كانت هذه المرحلة حاسمة في حياته النضالية؟

لقاء بن عسكر مع الإيطاليين جاء بعد سقوط الجمهورية الطرابلسية وخروجه من الحرب الأهلية منهزماً، يبحث عن من يسانده. وبالتالي، أصبح هذا القائد الصعب مكسوراً إلى حد كبير.

لا يتصور الباحث أن الإيطاليين سيقولون لبن عسكر إنهم يريدون خداعه أو حبسه. كان الاجتماع في سياق صراع قبلي ومحاولة إصلاح ذات البين.

قال غراتسياني عندما جاء إلى الوطية إنه خاف من جيش بن عسكر، الذي كان يقف في طابور طويل. توقع غراتسياني أنهم سيتخذون وضعاً قتالياً، لكن بن عسكر قال له: "أنا أريك طريقتي في القتال".

نصبت صومعة خاصة بالقيادة، ولم يكن بن عسكر يعلم ما سيحدث في الخارج. ألقى المجاهدون أو المقاومون أسلحتهم في الوقت الذي أحاطت بهم قوة إريترية وبعض الباندات، وتم القبض عليهم. كان بن عسكر في معزل عن قواته ولم يسمع بما يحدث في الخارج. فور خروجه، تم إلقاء القبض عليه.

إعدام خليفة بن عسكر

عند إلقاء القبض عليه، بكى الجنود الحاضرون، فبصق عليهم بن عسكر وقال: "الله يرحمه، قال لهم الله على من يثق في إيطاليا". قال كلمة ترجموها لغراتسياني: "الآن ما تريدون افعلوه، أنتم تقابلون في الجبل".

سجن بن عسكر لمدة عام تقريباً. كانت هناك مراسلات بينه وبين أهله، وتحديداً أخيه، يبعث لهم رسائل يقول فيها: "ردوا بالكم منهم، إنهم عدو، إنهم كذا"، يحثهم على عدم التعامل مع الإيطاليين.

بعد ذلك، شرعت إيطاليا في محاكمته. كانت الحجة موجودة، والقرائن موجودة، والدفاع مرفوض، والشهود كلهم ضده. ثم قرئ منطوق الحكم بإعدامه شنقاً، وأن مكان التنفيذ سيكون مدينة الزاوية.

قبل إعدامه بيوم، كانت الطائرات الإيطالية تلقي المناشير التي كتب عليها: "اليوم سيرتفع بن عسكر عن الأرض قليلاً ليشم الهواء الفاشيست".

نقل بن عسكر إلى مدينة الزاوية، ونصبت المشنقة في ميدان الزاوية، في مكان الرحبة (السوق) الذي تتجمع فيه الناس. بلغ عدد المتجمعين 600 شخص لحضور عملية الشنق. لحظة اعتلائه المنصة، ردد بن عسكر عبارات: "هذا حال من يثق في إيطاليا، خذوا عبرة منا أن هؤلاء المستعمرين لا يمكن الوثوق فيهم". ولحظة لف حبل المشنقة حول رقبته، بصق على شانقيه.

لم يكن تجميع الناس شماتة في بن عسكر، بل استغلت إيطاليا ذلك بهدف زرع الخوف في نفوس الناس. بعد إتمام عملية الشنق، ظلت الجثة على حبل المشنقة لمدة يومين كاملين، وأنزل الجثمان في اليوم التالي لشنقه. لا يعلم الباحث إن كان هذا تشفياً من الإيطاليين أو لإرهاب الناس.

دفن بن عسكر في مقبرة أحمد الولاني أو جامع يعرف بجامع أحمد الولاني، وما زال قبره شاهداً إلى اليوم.

انتاب الباحث شعور وهو في ساحة إعدامه، وتساءل: "لو كنت تعلم أن هذه هي النهاية، هل كنت ستسير على الدرب نفسه؟"

كان بن عسكر شخصية مقاومة عنيدة وصلبة، ربما أصابها النزق في بعض الأحيان وعدم الحكمة في خوض بعض الأمور، لكنه أدرك حقيقة المستعمر وإن كانت متأخرة.

أوجد بن عسكر نفسه، ليس برغبته، ولا يتصور أنه كان لديه خلفية، لكنه كان جزءاً من الحرب الكونية الأولى. من حقه أن يعيش حراً، لا أن يحتله أحد ويفرض عليه قوانينه. جاءت إيطاليا لتفرض قوانينها، فالعملية كلها من 1911 إلى غاية 1932 هي ضد جرائم حرب ضد الإنسانية.

في نهاية هذه الرحلة، استخلص الباحث أن خليفة بن عسكر كان رمزاً لنضال كتبته البندقية والدم. فالتاريخ لا يكتب بين الصفحات، ولكن بين سفوح الجبال، وتحرير الأرض لا يكون بالمعاهدات، وإنما بالتضحيات.

  Takeaways

  • ولد خليفة بن عسكر بين 1874 و1878 في قبيلة العساكرة بمدينة نالوت وتلقى تعليماً دينياً في الكتاتيب قبل أن يعمل فلاحاً وفارساً.
  • شارك بن عسكر في مقاومة الغزو الإيطالي عام 1911 تحت قيادة سليمان باشا الباروني، وكان له دور بارز في معركة جندوبة.
  • في نوفمبر 1914 قاد بن عسكر هجوماً على قافلة إيطالية في "لقن عمران"، قطع إمدادات العدو وأجبر القوات الإيطالية على الانسحاب من الجبل الغربي.
  • بعد فترة من اللجوء إلى تونس، عاد إلى ليبيا وانضم إلى الحركة السنوسية، حيث أصبح "خادم السنوسية" وقاد عدة معارك مثل الباب ومجزم وكاباو.
  • في عام 1932 أُعدم بن عسكر شنقاً في الزاوية أمام حشد جماهيري كبير، واستخدم الإيطاليون إعدامه كأداة ترهيب لتقويض المقاومة الليبية.

Frequently Asked Questions

ما هو سبب إعدام خليفة بن عسكر في الزاوية وكيف استخدم الإيطاليون الإعدام كوسيلة ترهيب؟

أُعدم خليفة بن عسكر في الزاوية عام 1932 لأن الإيطاليين رأوا فيه رمزاً قوياً للمقاومة الليبية وهددوا استقرار سيطرتهم. استخدموا إعدامه أمام حشد جماهيري كبير لترويع السكان وإظهار عجز أيقاظ أي تمرد آخر، مما كان جزءاً من استراتيجيتهم الترهيبية.

ماذا تعني "السنوسية" التي انضم إليها بن عسكر بعد عودته إلى ليبيا؟

السنوسية كانت حركة سياسية وعسكرية ليبية تأسست بعد سقوط الجمهورية الطرابلسية، سعت إلى توحيد القبائل الغربية وإدارة شؤونها ذاتياً. انضم بن عسكر إلى السنوسية وأصبح يوقع مراسلات بـ'خادم السنوسية'، ما منحَه صفة القيادة الإدارية والعسكرية داخل هذه الحركة.

من هو Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية على يوتيوب؟

Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.

هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟

نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.

Full transcript is not shown on this page

This page focuses on the summary and original notes. For full verification, refer to the original YouTube video.

PDF