قصص صعود غير عادية إلى كأس العالم: إندونيسيا، الهند، تركيا
لطالما كان كأس العالم، منذ نسخته الأولى وحتى الآن، أكثر من مجرد بطولة كرة قدم تنتهي مبارياتها في 90 دقيقة. لقد كان دائمًا حدثًا عالميًا تسعى جميع الدول للوصول إليه وعرض نفسها كفرق كروية ودول. وكما أن هناك منتخبات كان صعودها مضمونًا وسهلاً عبر تاريخها، هناك منتخبات كان صعودها وراءه سيناريوهات صعبة أو أحداث سياسية غير متوقعة، ومنتخبات صعدت بصدفة لا يمكن أن تتكرر.
إندونيسيا: الصعود الآسيوي الأول بانسحاب اليابان
عند الحديث عن كأس العالم، قد تستغرب ذكر إندونيسيا، لعدم وجودها في كرة القدم العالمية. وبالفعل، لم تشارك إندونيسيا إلا في نسخة وحيدة عام 1938، بعد رحلة تصفيات غريبة. في ذلك الوقت، لم تكن إندونيسيا موجودة كدولة مستقلة، بل كانت محتلة من هولندا ومعروفة باسم جزر الهند الشرقية الهولندية، ولم تحصل على استقلالها إلا عام 1945.
في تصفيات 1938، كان من المفترض أن تواجه إندونيسيا اليابان للتأهل للمونديال. ولكن بسبب الحرب الصينية اليابانية، انسحبت اليابان، لتجد إندونيسيا نفسها أول منتخب آسيوي في كأس العالم، على الرغم من عدم وجود فريق احترافي لديهم في الأصل، وكان معظم اللاعبين يمارسون مهنًا عادية خارج أوقات المباريات.
حملت مشاركة الفريق في البطولة رقمًا قياسيًا جديدًا عندما خسرت 6-0 في مباراتها الأولى والأخيرة أمام المجر، وكانت هذه من أعلى النتائج في البطولة. ومع ذلك، ظلت هذه النسخة مصدر فخر للإندونيسيين، وتُروى قصتها للتذكير بأن بلادهم حظيت بفرصة يومًا ما لتكون بين أفضل منتخبات العالم.
الهند: فرصة ضائعة بسبب التكاليف
من آسيا أيضًا، تبدأ قصة أخرى، ولكن أهميتها ليست في رحلة الصعود، بل في أنها فرصة لن تتكرر حتى اليوم. حصلت الهند على فرصة اللعب في كأس العالم 1950، أول كأس عالم بعد الحرب العالمية الثانية.
وقتها، وقعت الهند في مجموعة مع بورما وإندونيسيا والفلبين. وبصدفة، قررت الفرق الثلاثة الانسحاب لأسباب مختلفة، لتصبح الهند المرشح الآسيوي لكأس العالم. تم إجراء قرعة كأس العالم، ووقعت الهند في مجموعة مع السويد وباراغواي وإيطاليا، وكانت مباراتها الافتتاحية مقررة في 28 يونيو 1950.
لكن للأسف، لم تسافر الهند ولم تشارك في البطولة. والسبب الأكثر شهرة لعدم الحضور، والذي قد تكون قرأته من قبل، هو أن الهند أرادت اللعب حافية القدمين، لكن الاتحاد الأوروبي رفض. ورغم شهرة هذه الرواية، إلا أنها غير صحيحة، فقرار إلزام ارتداء الأحذية صدر عام 1953. كما أن الهند شاركت في أولمبياد 1952 حافية القدمين بشكل عادي.
السبب الحقيقي لغياب الهند كان التكلفة الكبيرة للسفر إلى البرازيل، والذي كان عبئًا كبيرًا في ذلك الوقت، خاصة مع معاناة الهند من التداعيات الاقتصادية للحرب العالمية الثانية. وهكذا، فرطت الهند في صعودها لكأس العالم، وهي تحاول منذ ذلك الحين تكرار ذلك دون جدوى، ورغم زيادة عدد المنتخبات في بطولة أمريكا، لا تزال الهند بعيدة عن المونديال.
تركيا: الصعود بالقرعة على حساب إسبانيا
في المونديال التالي، تأتي واحدة من القصص الغريبة، عندما واجهت تركيا إسبانيا على بطاقة الصعود لكأس العالم 1954. في ذلك الوقت، لم يكن لتركيا أي تاريخ في كأس العالم، بينما كانت إسبانيا ضمن المربع الذهبي لمونديال 1950.
خلال مباراة الذهاب، تمكنت إسبانيا من الفوز 4-1، وظنوا أن الصعود سهل. لكن في العودة، تمكنت تركيا من الفوز 1-0. في ذلك الوقت، لم يكن هناك أي اعتبار لفارق الأهداف، فكان القرار هو اللجوء لمباراة فاصلة.
لُعبت المباراة الفاصلة بعد أيام في ملعب الأولمبيكو في روما، وانتهت بالتعادل. وهنا، واجهوا نفس المشكلة من جديد، لأنه لم تكن هناك ركلات جزاء في ذلك الوقت (طبقت لأول مرة عام 1970). كان القانون يقضي بإجراء قرعة بين الفريقين. وقع اختيار الحكم على طفل اسمه لويجي فرانكو، ابن أحد العاملين في الملعب، ليسحب القرعة، واختار تركيا، ليكون هذا صعودها الأول للمونديال.
في كأس العالم 2026، نرى تركيا من جديد بعد 24 عامًا من آخر صعود لها في مونديال كوريا واليابان 2002، بمنتخب شاب مميز لديه رغبة في تحقيق إنجاز المشاركة السابقة عندما فازت تركيا بالمركز الثالث.
المغرب وتونس: عملة معدنية تحسم التأهل
لم تكن تركيا الوحيدة التي صعدت بهذه الطريقة. بعد 16 عامًا، تكرر الأمر في تصفيات أفريقيا المؤهلة لكأس العالم 1970، وهي البطولة الأولى التي يكون فيها مقعد كامل مخصص لقارة أفريقيا.
وقتها، التقت المغرب وتونس في التصفيات، وتعادلتا في الذهاب 0-0 في تونس، وفي العودة 0-0 رغم الوقت الإضافي. تقرر لعب مباراة فاصلة على أرض محايدة في مارسيليا بفرنسا، وتعادلتا 2-2. وقتها، لجأ الحكم إلى عملة معدنية حسمت صعود المغرب على حساب تونس.
أكملت المغرب التصفيات وصعدت من الدور النهائي، لتكون حاضرة في مونديال المكسيك 1970، وتبدأ رحلة مميزة للمنتخب المغربي مع كؤوس العالم، آخرها كان المربع الذهبي لمونديال قطر 2022.
حرب كرة القدم: هندوراس والسلفادور
شهدت تصفيات نفس النسخة (1970) أيضًا واحدة من أشهر المباريات في تاريخ كرة القدم، لأنها كانت شرارة حرب عُرفت في التاريخ باسم "حرب كرة القدم". الطرفان في هذه المباريات كانا هندوراس والسلفادور، وهما دولتان لهما حدود مشتركة وتجمعهما علاقات اقتصادية متشابكة، وجالية كبيرة من السلفادور كانت تعيش في هندوراس.
بدأت الحكاية الكروية في 8 يونيو 1969، بمباراة فاصلة للصعود لكأس العالم في عاصمة هندوراس، وفازت هندوراس 1-0. في مباراة العودة في 15 يونيو، فازت السلفادور بنتيجة 3-0 في مباراة شهدت شحنًا كبيرًا، ودخل فيها اللاعبون المباراة تحت حماية أمنية مشددة.
عندما فاز كل فريق في مباراة، أصبح اللجوء لمباراة فاصلة في أرض محايدة إلزاميًا. أقيمت بالفعل في 27 يونيو بالمكسيك، وفازت فيها السلفادور بنتيجة 3-2 لتصعد لكأس العالم.
لكن بعد المباراة، تظاهر شعب هندوراس غاضبًا، وتعدى على المواطنين السلفادوريين المقيمين لديهم. استنكرت السلفادور ذلك وأعلنت قطع علاقاتها الدبلوماسية بهندوراس، متهمة إياها بعدم منع الاعتداءات وعدم تقديم تعويضات عن خسائر المواطنين السلفادوريين الذين فروا لبلادهم وتركوا أموالهم ومنازلهم.
تصاعدت الاتهامات بين الطرفين حتى أعلنت السلفادور في 14 يوليو غزو هندوراس. وبالفعل، عبرت قوات المشاة الحدود برًا مدعومة بالدبابات، ووصلت إلى حدود عاصمة هندوراس، التي كانت أقل قوة عسكرية من السلفادور. استمرت هذه الحرب أربعة أيام تقريبًا، ومات فيها 3000 مدني، وبلغت حصيلة الجرحى 15000 شخص، قبل أن تنتهي باتفاقية سلام برعاية دولية.
يسمي المؤرخون هذه الحرب "حرب كرة القدم"، لكنهم يؤكدون أيضًا أن كرة القدم لم تكن السبب الوحيد. كانت هناك تراكمات كثيرة جدًا تتعلق بالظروف الاقتصادية والغضب الشعبي في البلدين، واستُغلت المباراة لتكون شرارة للحرب. في النهاية، لعبت السلفادور في كأس العالم، وانتهت الحرب، لكن الآلاف من الشعبين خسروا حياتهم وممتلكاتهم. وحتى اليوم، لم تعد العلاقات بين البلدين جيدة، والتوترات لا تزال مستمرة.
ويلز: صعود غريب بفضل الخلافات السياسية
من أمريكا الوسطى، ننتقل إلى ويلز. يملك منتخب ويلز رقمًا قياسيًا لأكبر مدة زمنية بين صعودين لكأس العالم، بغياب 64 عامًا. كان آخر صعود لهم في قطر 2022، والذي سبقه كان في 1958. وكان صعودهم الأول صعودًا غريبًا، ولولا مصر لما شاركوا.
تبدأ الحكاية بتصفيات عادية تلعب فيها ويلز مع تشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية. لم تكن هذه المنتخبات قوية في ذلك الوقت، لكن ويلز كانت في أسوأ حالاتها بسبب ضعف التجهيز، لدرجة أنهم في بعض المباريات لم يجدوا 11 لاعبًا لإكمال التشكيلة. وكنتيجة طبيعية، لم تصعد ويلز واكتفت بالمركز الثاني خلف تشيكوسلوفاكيا، وكان الصعود وقتها لصاحب المركز الأول فقط.
في الجانب الآخر من العالم، كانت هناك تصفيات في أفريقيا وآسيا ضمن مجموعة واحدة، ومن بين المتنافسين على الصعود إسرائيل، التي كان قد مر 10 سنوات على تاريخ إعلان قيامها. كان من المفترض أن تواجه إندونيسيا، فرفضت اللعب في تل أبيب. وعُرضت على مصر، فرفضت تمامًا. والسودان أيضًا رفضت.
وقتها، كانت إسرائيل في الصدارة بسبب عدم رغبة أي فريق في اللعب ضدها. لكن الفيفا رفض أن تصعد إسرائيل لكأس العالم دون أي مباراة في التصفيات. فقرر الفيفا إجراء مباراة بينها وبين فريق من المركز الثاني في تصفيات أوروبا. تم إجراء قرعة لاختيار هذا المنتخب، ووقع الاختيار على بلجيكا، لكنها رفضت أيضًا لأسباب سياسية.
الاختيار بعدها وقع على ويلز. وقتها، لم يكن لديها أي مانع للعب ضد إسرائيل وفي تل أبيب، فوافقت. ولُعبت المباراة بالفعل. بالطبع، المباراة في تل أبيب كانت أكبر من مجرد كرة قدم، بل كانت جزءًا من الدعاية الإسرائيلية للترويج لأنفسهم ولمجتمعهم وتغطية جرائمهم المستمرة. في النهاية، فازت ويلز بسهولة وصعدت لكأس العالم، في صعود قام على الخلافات السياسية وساهم في الترويج لدولة الفصل العنصري الناشئة وقتها.
تشيلي: ملعب الموت يستضيف مباراة التأهل
هل تعرف النكتة المشهورة التي تقول: "لماذا الدولة الوحيدة التي لا تحدث فيها انقلابات عسكرية هي أمريكا؟ لأن ليس فيها سفارة أمريكية." هنا، سنحكي واحدة من القصص التي أسست لهذه النكتة، وذلك في عام 1973 في تشيلي بأمريكا الجنوبية.
قرر الجنرال بينوشيه، المدعوم أمريكيًا، الانقلاب على الرئيس المنتخب سلفادور أليندي، الذي كان مدعومًا من المعسكر الشرقي وعلى رأسه الاتحاد السوفيتي. نجح بينوشيه في ذلك، وبدأ الحكم العسكري لتشيلي.
أول ما فعله النظام الجديد كان حملات اعتقالات طالت كل من يشك في ولائه للرئيس السابق. وُضعوا في مراكز احتجاز في جميع أنحاء تشيلي، وتعرضوا فيها لانتهاكات وتعذيب. والأهم أن من أبرز هذه المراكز كان ملعب "إستاديو ناسيونال"، الملعب الرئيسي للمنتخب الوطني، والذي يقدر الصليب الأحمر عدد المعتقلين فيه بأكثر من 30,000 شخص.
في ذلك الوقت، كان المنتخب على بعد مباراة واحدة من الصعود للمونديال، وكانت أمام الاتحاد السوفيتي. لعبوا بالفعل مباراة الذهاب في الاتحاد السوفيتي وتعادلوا 0-0. وعندما حان وقت مباراة العودة في نوفمبر 1973، أرسل الاتحاد السوفيتي للفيفا اعتراضًا على الملعب، قائلًا إنه "ملطخ بالدماء".
وقتها، قرر الفيفا إرسال لجنة للتفتيش والتأكد من صلاحية الملعب. وكان تقريرها أن الملعب "تمام" ولا يوجد فيه أي شيء. وهذا بالطبع لأن المعتقلين كانوا قد نُقلوا إلى أماكن أخرى وأقبية تحت الأرض قبل وصول اللجنة.
لذلك، أصر الفيفا على إقامة المباراة، وأصر الاتحاد السوفيتي على موقفه وقرر أنه لن يلعب المباراة. ولذلك، دخل فريق تشيلي وحده، وبدأت المباراة بمفرده، وسجل هدفًا هو واحد من أغرب الأهداف في تاريخ كرة القدم.
في النهاية، يمكن القول إن كأس العالم هو الحدث الرياضي والعالمي الأهم الذي ستجد فيه كل شيء: الحرب والسياسة والصدفة والاقتصاد. لقد رأينا منتخبات طارت للمونديال دون أن تسدد كرة واحدة، ومنتخبات أخرى عاشت مآسي بسبب مباراة 90 دقيقة، لتظل هذه البطولة هي أعظم دراما كتبها البشر. ورغم أنها تروج دائمًا للسلام والإخاء وتقارب الشعوب، إلا أنها من ناحية أخرى قد تكون سببًا في حروب ونزاعات أو تصفية خلافات.
Takeaways
- إندونيسيا صعدت إلى كأس العالم 1938 بعد انسحاب اليابان بسبب الحرب الصينية، رغم عدم وجود فريق محترف.
- الهند رفضت المشاركة في كأس العالم 1950 ليس بسبب اللعب حافي القدمين بل بسبب تكلفة السفر العالية بعد الحرب العالمية الثانية.
- تركيا صعدت إلى مونديال 1954 بعد تعادل مجموع المباريات وقرعة أجراها طفل يدعى لويجي فرانكو.
- المغرب فاز على تونس في تصفيات 1970 بفضل رمية عملة معدنية حسمت الصعود في مباراة فاصلة.
- صراع "حرب كرة القدم" بين هندوراس والسلفادور في 1970 تحول إلى نزاع مسلح أدى إلى آلاف القتلى، مما يبرز تأثير الرياضة على السياسة.
Frequently Asked Questions
ما هو السبب الحقيقي لعدم مشاركة الهند في كأس العالم 1950؟
السبب الحقيقي هو التكلفة الضخمة لسفر الفريق إلى البرازيل، حيث كانت الهند تعاني من أعباء اقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، بينما القصة الشهيرة عن اللعب حافي القدمين غير صحيحة لأن إلزام الأحذية جاء عام 1953.
كيف تم اختيار تركيا للصعود إلى مونديال 1954 عبر قرعة الطفل؟
بعد تعادل مجموع المباريات بين تركيا وإسبانيا وعدم وجود قاعدة لفارق الأهداف أو ركلات جزاء، أُجريت مباراة فاصلة انتهت بالتعادل، فقرر الفيفا إجراء قرعة. اختار الطفل لويجي فرانكو، ابن عامل في الملعب، سحب القرعة التي أفضت إلى فوز تركيا وصعودها لأول مرة إلى المونديال.
من هو أخضر على يوتيوب؟
أخضر قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.
هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟
نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.
Helpful resources related to this video
If you want to practice or explore the concepts discussed in the video, these commonly used tools may help.
Links may be affiliate links. We only include resources that are genuinely relevant to the topic.