مشروع القرن الأمريكي الجديد: أهدافه وفشله في الشرق الأوسط
تحياتي لكم في حلقة جديدة من "نشر الوعي قوة التأثير". أود أن أشكركم على اهتمامكم ومتابعتكم وتعليقاتكم الإيجابية على الحلقتين السابقتين، الأولى عن جوناثن بولارد، الجاسوس الذي خان بلاده لمصلحة إسرائيل، والثانية عن "كلين بريك" وكيف سعت إسرائيل، عبر حلفائها في الإدارة الأمريكية في عهد جورج بوش الابن، للسيطرة والهيمنة على المنطقة.
مشروع القرن الأمريكي الجديد (PNAC)
اليوم، سأتحدث عن النقطة الثالثة المهمة، وهي مشروع القرن الأمريكي الجديد (Project for the New American Century - PNAC)، الذي يربط "كلين بريك" بسماح أمريكا لإسرائيل بالتفوق ولعب الدور الرئيسي في الشرق الأوسط. هذا المشروع كان مدعومًا من المحافظين الجدد وإدارة بوش الابن، وخطط لإضعاف النظام العربي وإسقاط نظام صدام حسين، وكذلك حلفاء إيران ولاحقًا إيران نفسها.
من التنظير إلى التنفيذ
تحولت أفكار "كلين بريك" إلى سياسة رسمية للبيت الأبيض عبر الإطار الأكبر لمشروع القرن الأمريكي الجديد. كان أقطاب عصابة المحافظين الجدد، بقيادة ديك تشيني (نائب الرئيس بوش الابن ووزير الدفاع في عهد بوش الأب)، ودونالد رامسفيلد (وزير الدفاع في عهد بوش الابن الذي قاد الحرب على العراق وأسقط نظام صدام حسين)، وبول وولفويتز (نائب وزير الدفاع)، وريتشارد بيرل، وغيرهم من الصهاينة المحافظين الجدد، هم من دفعوا بوش لحربين ضد أفغانستان والعراق.
نظرية الدومينو والفوضى الخلاقة
سعى هؤلاء لتغيير الأنظمة، وكان العراق هو البداية فيما سموه "نظرية الدومينو". اعتقدوا خطأً أنه إذا سقط العراق وتحول إلى دولة ديمقراطية، فإن هذا سينتشر في المنطقة، وأن الدول الديمقراطية الموالية لأمريكا ستكون في مصلحة أمريكا. هذه التصورات كانت مبنية على أحلام تحولت إلى كوابيس.
قائمة الدول التي وضعها المحافظون الجدد على المقصلة بدأت بالعراق. بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، كان هناك تفكير في من سيكون التالي: سوريا أم إيران؟ الهدف كان إضعاف سوريا والعراق وإيران وحلفائها، وتغيير فكرة "الأرض مقابل السلام" إلى محاربة "الإرهابيين"، وتصفية القضية الفلسطينية.
الهدف الأسمى كان عدم ظهور أي نظام عربي يمكنه منافسة أو تهديد إسرائيل، خاصة بعد إخراج مصر من الصف العربي. كما قال كيسنجر: "لا حرب في الشرق الأوسط بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا". الجزء الأول من نظريته صحيح، فمنذ خروج مصر من الصف العربي باتفاقية كامب ديفيد عام 1978 وتوقيعها اتفاقية السلام كأول وأقوى دولة عربية مع إسرائيل، تقوقعت مصر ولم تعد تلعب دورها القيادي.
هنا نأتي إلى "الفوضى الخلاقة" التي كانت في عهد كوندوليزا رايس وبوش الابن، والتي هدفت إلى إسقاط الأنظمة. أتذكر كلام كوندوليزا رايس في جامعة القاهرة عام 2005، حيث قالت: "بلادي الولايات المتحدة الأمريكية سعت خلال 50 سنة الماضية لمقايضة الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان بالأمن والاستقرار، وبعد 50 سنة لم نحقق أي منهما". هذا إدانة واضحة لسعي الولايات المتحدة لتكريس عدم الاستقرار.
راهنت واشنطن على أن تدمير الأنظمة القديمة في العراق وسوريا والمنطقة سيؤدي إلى ديمقراطية تلقائية. لكن الحقيقة كانت فوضى مدمرة، وتفككًا للدول الوطنية، وإضعافًا للدول المركزية، خاصة مع تدخل إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وإرسالها خلايا إرهابية وتجسسية لدول الخليج، وإحضارها الميليشيات الطائفية (زينبيون، فاطميون، حسينيون) من إيران وأفغانستان وباكستان إلى سوريا. هذا أضر بمصالح أمريكا نفسها.
تأمين أمن إسرائيل على حساب الدول العربية
الهدف كان تأمين أمن إسرائيل على حساب الدول العربية. الفوضى الناتجة أوجدت بيئة من عدم الاستقرار، وجعلت التهديدات الأمنية أكثر تعقيدًا وغير تقليدية. عزز هذا التدخل الإيراني دور الفاعلين من غير الدول، فأصبح حزب الله في لبنان أقوى من الدولة اللبنانية، والحوثيون أقوى من الحكومة اليمنية، والحشد الشعبي أقوى من الجيش العراقي. في سوريا، دعموا نظامًا كان يبيد شعبه، مما كشف ازدواجية المعايير الإيرانية.
تأسيس مشروع القرن الأمريكي الجديد
المحافظون الجدد أطلقوا مشروع "القرن الأمريكي الجديد" وعرضوه على الرئيس بوش الذي تبناه. قامت فكرة المشروع على أن الولايات المتحدة، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، تجد نفسها في حقبة القطب الواحد، وعليها أن تكون مسؤولة عن أمن العالم وأن تحافظ على هذا الوضع كالدولة الوحيدة المهيمنة على النظام العالمي لأطول فترة ممكنة، ومنع ظهور دولة أو عدة دول تتحالف ضدها.
اقترحت الوثيقة أن أمريكا يمكنها خوض أكثر من حرب في أكثر من قارة، أو حربين متزامنتين (مثل البوسنة وأفغانستان). اقترحت تغيير الأنظمة وتفكيك التحالفات، وبدلًا من معالجة جذور الصراع العربي الفلسطيني بـ"الأرض مقابل السلام"، أن يكون لإسرائيل دور اللاعب الرئيسي وتجاهل القضية الفلسطينية. اقترحت الوثيقة استبدال ذلك بـ"السلام من خلال القوة" (Peace Through Power)، وهو ما يقوله ترامب الآن. هذا يعني تغيير موازين القوى وإسقاط الأنظمة التي لا تعمل مع أمريكا.
أعضاء بارزون في المشروع
هذا المركز الذي أنشأ هذه الاستراتيجية ضم عتاة المحافظين الجدد، وأسماء غارقة في الصهيونية والنيوكونزيرفاتيفز، وكانوا مسؤولين كبارًا في وزارة الدفاع الأمريكية وإدارة بوش الابن. من أبرز أعضائه: * ويليام كريستول (من المنظرين) * روبرت كيغن (منظر خطير جداً) * ديك تشيني (نائب الرئيس بوش الابن) * دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع) * بول وولفويتز (نائب وزير الدفاع) * إليوت أبرامز (منظر صهيوني) * ريتشارد بيرل * جون بولتون (السفير الأمريكي في الأمم المتحدة)
رأى المشروع أن انهيار الاتحاد السوفيتي منح الولايات المتحدة لحظة تاريخية نادرة كقوة عظمى وحيدة، وعليها منع ظهور منافس. هذا ما ورط الولايات المتحدة في حروب طويلة واستنزاف في العراق وأفغانستان.
أبرز أفكار المحافظين الجدد
- التفوق الأمريكي المطلق: يجب ألا تسمح واشنطن بظهور قوة منافسة.
- زيادة الإنفاق العسكري.
- الوجود العسكري المتقدم.
- القدرة على خوض أكثر من حرب: ينبغي أن تمتلك أمريكا القدرة على القتال والانتصار.
- تغيير الأنظمة المعادية.
- نشر الديمقراطية بالقوة.
- التفوق التكنولوجي والعسكري.
ثم تأتي النقطة الخطيرة: يقولون إن هذا لن يحدث إلا بحدوث حدث مزلزل كبير يسرع بتحقيقه، مثل بيرل هاربر، أو قصف أمريكا لهيروشيما وناجازاكي. هذا سيساعد أمريكا على تحقيق ذلك بشكل سريع. ولهذا السبب، تظهر فكرة نظرية المؤامرة بأن اعتداءات 11 سبتمبر 2001 كانت تدبيرًا داخليًا من الداخل الأمريكي، وليس من القاعدة وبن لادن، رغم اعتراف بن لادن بذلك.
التقاء "كلين بريك" ومشروع القرن الأمريكي الجديد
التقى "كلين بريك" ومشروع القرن الأمريكي الجديد في إسقاط نظام صدام حسين في العراق لإضعاف العراق، لكي لا يشكل تهديدًا لأمن إسرائيل. صدام حسين هو الرئيس العربي الوحيد الذي قصف تل أبيب أثناء قتاله القوات الأمريكية التي جاءت لتحرير الكويت. كما قصف السعودية بصواريخ أكثر مما قصف تل أبيب.
اتخذ القرار بإسقاط نظام صدام حسين، خاصة بعد احتلاله الكويت وسيطرته على ربع احتياطي نفط العالم بين الكويت والعراق، بالإضافة إلى ربع آخر في السعودية، مما يعني نصف احتياطي نفط العالم. هذا كان غير مقبول لشخص واحد يتحكم باقتصاد وأمن الطاقة في العالم، بالإضافة إلى تهديده للأمن الإسرائيلي وعدم الاستقرار الذي تسبب فيه.
القرار كان متخذًا منذ عام 1996، لكن صدام حسين ساهم في تسريع ذلك. عندما شنت الحرب عام 2003 لإسقاط نظامه، قدمت أمريكا وبريطانيا أدلة بأنه يطور أسلحة دمار شامل وكيماوية، ولديه علاقة مع القاعدة وسيزودها. كان هناك سيناريو معد بشكل واضح لإسقاط نظام صدام حسين، خاصة بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001.
في عام 2002، بدأت الحملة تشتد، واندماج مشروع القرن الأمريكي الجديد و"كلين بريك" داخل إدارة بوش. كان التصور أن العراق سيتحول إلى دولة ديمقراطية موالية للغرب، وتنتقل العدوى إلى سوريا وإيران وبقية دول المنطقة.
فشل الخطة والمشروع
فشلت هذه الخطة والمشروع بشكل هائل في العراق. تم إسقاط النظام بسرعة صادمة، حيث بدأت الحرب في 20 مارس 2003 وسقطت بغداد في 9 أبريل بعد ثلاثة أسابيع. لكن الخطأ كان في أن إسقاط النظام شيء، وإعادة بناء نظام آمن ومستقر ونشر الحريات والديمقراطية شيء آخر.
المحافظون الجدد ومشروع القرن الأمريكي لم ينجحا. تم حل الجيش والمؤسسات وحزب البعث، وسوء فهم البنية الطائفية في العراق (كما لا يفهم ترامب العقلية الفارسية والتركيبة الإيرانية). غاب وجود خطة واقعية لمرحلة ما بعد صدام.
صعدت جماعات متطرفة، وجماعات متسلقة جاءت على الدبابات الأمريكية (مثل أحمد الجلبي). جاء الزرقاوي والقاعدة، ثم داعش، وتم إطلاق سراحهم من السجون في العراق وسوريا. توسع نفوذ إيران داخل العراق، وأصبحت إيران اللاعب الرئيسي وملأت الفراغ، كما قال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد عام 2009.
تراجعت هيبة ومصداقية أمريكا، وسقطت في وحل خرق القانون وحقوق الإنسان، كما شاهده العالم من صور فاضحة لتعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب.
بذلك، فشل مشروع القرن الأمريكي الجديد. لم ينتج ما كان يهدف إليه، بل أنتج نتيجة سلبية وعكس ما كان يأمل به: * أصبحت إيران أكثر نفوذًا وسيطرت على العراق. * فاخرت إيران عام 2015 بعد توقيع الاتفاق النووي بأنها تسيطر على أربع عواصم عربية: بغداد، دمشق، بيروت، وصنعاء. * ازداد التطرف، وبدأت الجماعات الإرهابية تظهر. * تحول العراق إلى دولة هشة وفاشلة. * لم يتحول العراق إلى بداية الدومينو الديمقراطي الذي ستتساقط به دول المنطقة.
كان فشلًا ذريعًا.
الخلاصة
كما نرى، أرادت أمريكا عبر "كلين بريك" تشكيل شرق أوسط جديد يضمن تفوق إسرائيل وهيمنتها. وسعى مشروع القرن الأمريكي الجديد في عهد بوش، بشكل خاطئ، لإقامة نظام عالمي يضمن تفوق أمريكا. لكن أمريكا دخلت في وحل الحروب الاستباقية غير الشرعية في أفغانستان والعراق والحرب على الإرهاب، وبذلك هزمت نفسها بنفسها.
يقول المفكر الاستراتيجي الصيني سون تزو قبل 2500 سنة: "الدول العظمى والكبرى تخسر ليس فجأة، ولكن بتدخلاتها وسوء تخطيطها وحساباتها الخاطئة واستغلال حلفائها وعدم التفكير بشكل استراتيجي وبعيد المدى".
سقطت أمريكا في عهد بوش، ولم تنجح في استغلال لحظة الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي. وترامب الآن يرتكب نفس الخطأ ويكرره بحربه مع إيران، مستنزفًا القدرات الأمريكية، ومسيئًا لحلفاء أمريكا، ولا يحقق انتصارًا ولا يحول الانتصار إلى رصيد سياسي يجبر إيران على تقديم تنازلات. نرى بلطجة إسرائيل، ونرى إيران تتحدى. ولهذا السبب، نعود لارتكاب نفس الخطأ مجددًا.
أشكركم على المتابعة. كانت حلقة الليلة. أدعو لكم بالأمن والاستقرار، ودعواتكم لأهالي غزة ولبنان. سلام.
Takeaways
- ربط مشروع القرن الأمريكي الجديد (PNAC) بسياسة "كلين بريك" جعل الولايات المتحدة تدعم إسرائيل وتستهدف إضعاف الأنظمة العربية مثل العراق وسوريا وإيران.
- دعا المشروع إلى تطبيق "نظرية الدومينو" عبر إسقاط نظام صدام حسين معتقدًا أن الديمقراطية ستنتشر في المنطقة، لكنه أسفر عن فوضى مدمرة وتفكك دولي.
- وثيقة PNAC اقترحت مفهوم "السلام عبر القوة" بدلاً من "الأرض مقابل السلام"، مما وضع إسرائيل في دور اللاعب الرئيسي وتجاهل القضية الفلسطينية.
- فشل الخطة بسبب غياب خطة ما بعد الحرب، سوء فهم التركيبة الطائفية في العراق، وتدخل إيران الذي عزز ميليشيات محلية وأدى إلى صعود الإرهاب.
- نتيجة الفشل ارتفعت نفوذ إيران في بغداد، دمشق، بيروت وصنعاء، وتفاقمت حالة الفوضى والضعف في الدول العربية، مما أظهر حدود قدرة الولايات المتحدة على فرض نظام عالمي موحد.
Frequently Asked Questions
ما هو مفهوم "السلام عبر القوة" الذي اقترحه مشروع القرن الأمريكي الجديد؟
المفهوم يعني أن الأمن الإقليمي يتحقق ليس عبر مفاوضات أو تنازلات، بل من خلال إظهار القوة العسكرية والضغط لتغيير الأنظمة. اقترحه مشروع القرن الأمريكي الجديد كبديل لفكرة 'الأرض مقابل السلام'، ويُستشهد به اليوم في سياسات ترامب التي تركز على القوة كوسيلة لتحقيق السلام.
لماذا فشل مشروع القرن الأمريكي الجديد في تحقيق هدفه بتفويض الديمقراطية في العراق؟
فشل المشروع لأن الخطة ركّزت فقط على إسقاط نظام صدام حسين دون إعداد برنامج لإعادة بناء الدولة. تجاهل التركيبة الطائفية، سمح بملء الفراغ الإيراني، وأدى إلى صعود الجماعات المتطرفة مثل داعش، مما حول العراق إلى دولة هشة بدلاً من ديمقراطية موالية للغرب.
من هو Prof. Abdullah AlShayji على يوتيوب؟
Prof. Abdullah AlShayji قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.
هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟
نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.
Helpful resources related to this video
If you want to practice or explore the concepts discussed in the video, these commonly used tools may help.
Links may be affiliate links. We only include resources that are genuinely relevant to the topic.