نبير الأموي: سيرة نضال وتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل
نبير الأموي: سيرة نضال ومسيرة مجتمع
يُعتبر نبير الأموي شخصية محورية في تاريخ المغرب الحديث، حيث ارتبط اسمه بالنضال من أجل الطبقة العاملة والديمقراطية. وُلد الأموي ونشأ في بيئة قروية فقيرة بمنطقة الشاوية، وتحديدًا في دوار المخلخليين ببن أحمد مزاب، وهي منطقة عُرفت تاريخيًا بانتفاضاتها ضد الظلم. هذه النشأة، بالإضافة إلى القصص التي سمعها من أجداده ورجالات المنطقة من مجاهدين وفقهاء، شكلت وعيه المبكر بالجهاد والنضال.
التعليم وتكوين الوعي
تلقى الأموي دروسه الأولى في المسيد والجامع، ثم واصل دراسته في جامعة القرويين بفاس، ومدرسة بن يوسف بمراكش، ومدارس الدار البيضاء. هذه المسيرة التعليمية ساهمت في تشكيل وعيه ومرجعيته التاريخية. كان الأموي أيضًا رجل تربية وتعليم، حيث عمل أستاذًا للغة العربية، وكان يدرس بحماسة منقطعة النظير، تاركًا أثرًا عميقًا في تلاميذه.
الانخراط في العمل السياسي والنقابي
في أوائل الستينات، عُرف الأموي بشخصيته الثورية وغير التقليدية في النقاشات التربوية. انضم إلى حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1959، وارتبط بشخصيات بارزة مثل المهدي بن بركة وعبد الله إبراهيم.
كان الأموي قادمًا من العمل الحزبي، ووجد نفسه داخل الاتحاد المغربي للشغل، حيث كان يقوم بدور فعال في الساحة النقابية. كان يرى أن النقابة يجب أن تكون مستقلة عن توجيه الحزب، وأن تسير في منحى خبزي يخدم مصالح العمال. هذا الموقف أدى إلى صراع داخل الحركة النقابية المغربية، حيث وصف الأموي بعض القيادات بـ "الجهاز البورصوي المتعفن".
لعب الأموي دورًا أساسيًا في تأطير الطبقة العاملة وتوجيهها، وقيادة العديد من المعارك النضالية، خاصة لعمال المناجم والفوسفاط. كما حث العمال على الانخراط في الخلايا النقابية لتصحيح الوضع النقابي آنذاك، والالتحام بالجماهير الشعبية من عمال وفلاحين.
الاعتقالات والمحاكمات
منذ ستينيات القرن الماضي، بدأ كبار المناضلين والمخابرات على حد سواء ينتبهون إلى الأموي. اختُطف عام 1962، واعتقل عام 1963، وقضى سنوات عديدة في السجون والزنازين المجهولة والمعلومة. امتحن عام 1963 ضمن 5000 اتحادي واتحادية، واستشهد بعض رفاقه في السجون.
بعد خروجه من السجن، راجع الأموي طريقته في العمل، وبدأ في تنظيم شبكة عبر المغرب، مما أزعج المسؤولين الحكوميين ورجال المخابرات الذين طاردوه ومنعوه من التنقل بين المدن في أواخر الستينيات.
في يناير 1972، اختُطف الأموي مرة أخرى واقتيد إلى معتقل سري بالدار البيضاء يُعرف بـ "الكوربيس". قضى هناك فصولًا من الجحيم، ورأى رفاقه يقضون نحبهم. ظل في السجن حتى عام 1974، وهي المرحلة التي قال عنها "دفنت وحييت من جديد".
كان الأموي قاسيًا مع نفسه ومع رفاقه، مؤمنًا بضرورة الاعتماد على الذات. لم يستسلم بعد خروجه من السجن، بل عاد بنفس جديد وانخرط في العمل السياسي من جديد عام 1975 ضمن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل
بعد اغتيال رفيقه عمر بن جلون، فكر الأموي ورفاقه في إنشاء بديل تاريخي، وهو نقابة جديدة ترسم لنفسها مسارًا ثوريًا. قاد العديد من الإضرابات في 1976 و1977، وعمل على تأسيس عدد من النقابات الوطنية التي شكلت أساس تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في نوفمبر 1978.
استفادت الكونفدرالية من الزخم السياسي والتعاطف الذي حظي به الاتحاد الاشتراكي، لكن تأسيسها أعطى زخمًا إضافيًا للاتحاد الاشتراكي نفسه. كان المبرر الرئيسي لتأسيس الكونفدرالية هو غياب الديمقراطية في الاتحاد المغربي للشغل، لكن للأسف، سقطت الكونفدرالية في نفس المسار، حيث طبقت الديمقراطية بطريقة مشوهة أو داست عليها.
كان الأموي يمتلك الفكر والقدرة المعرفية والخبرة وحس المسؤولية لقيادة الكونفدرالية في لحظة صعبة من التوتر مع الدولة وأرباب العمل. جاء ليكون صوت الطبقة العاملة المغربية فكرًا وممارسة.
منذ 1978 وبداية 1979، انطلقت شرارة الاحتجاجات والضغط الشعبي من الكونفدرالية، حيث انخرط عدد كبير من العمال في جميع أنحاء المغرب. تحول العمل النقابي من عمل راكد ومسالم إلى عمل نضالي ومجابهة.
في 30 مارس 1979، أُعلن عن إضراب وطني بمناسبة يوم الأرض من أجل فلسطين، وكان اختبارًا أوليًا. ثم جاء إضراب 10 و11 أبريل 1979، الذي خلف ضحايا ودماء في صفوف العمال، وخلق عملية جديدة في العمل النقابي وهي التضامن.
إضراب 1981 ومحاكمة 1992
في 20 يونيو 1981، شهد المغرب إضرابًا عامًا قويًا لمواجهة ارتفاع الأسعار. لم يكن هذا الإضراب للعمال فقط، بل عرف انخراط جميع المغاربة. انفجرت الأوضاع في الدار البيضاء، وتم إنزال القوات المسلحة والأمنية، ونزلت الدبابات، وأطلق النار على كل من كان في الشارع. اعتقل عدد من الفاعلين النقابيين، وعلى رأسهم نبير الأموي.
كان الأموي لا يخشى اتخاذ القرارات لصالح الوطن، وقدم تضحيات جسام من أجل بناء الكونفدرالية وتطوير الحركة النقابية. كان لاعتقال 1981 آثار نفسية عميقة عليه.
بعد خروجه من السجن، عاد الأموي لبناء المنظمة، رغم الجراح التي كان يعاني منها بسبب بعض المتخاذلين. كان لديه حس عالٍ في إدراك من لم يعد مخلصًا، وكان يشك في كثير من الأحيان في من حوله، خوفًا من الاختراق.
بعد عام 1983، أعاد الأموي ورفاقه بناء الكونفدرالية، ولم يتأخر في إعلان إضراب وطني عام 1984، ثم عام 1990، من أجل الديمقراطية ومجتمع اشتراكي عادل.
في عام 1992، أجرى الأموي حوارًا مع جريدة "حرية المواطن" المغربية، تحدث فيه عن المطلب الجماهيري السياسي الذي يجب أن يتوفر للمغرب. قال الأموي تصريحه الناري الذي أثار غضب الملك: "على الملك أن يسود ولا يحكم".
استدعته المصالح الأمنية في الرباط لمساءلته، فتبنى موقفه. كانت هذه العبارة قوية، وجعلته رمزًا للتحديث السياسي. بعد ثلاثة أيام، استُدعي مرة أخرى لاستنطاق جديد حول حوار نشر مع مجلة "البايس" الإسبانية، وصف فيه الحكومة المغربية بـ "اللصوص".
تم التخلي عن المحضر الأول، وأعطي الأمر لوزير الأول آنذاك عز الدين العراقي للتكفل بالمتابعة. كانت تلك المحاكمة تاريخية، حيث حضر أكثر من 1000 محامٍ ومحامية للدفاع عن الأموي، وحكمت المحكمة عليه بسنتين سجن.
رفض الأموي أن يصرح بالنقد، وكان يعتبر السجن فندقًا. تضامنت معه جميع المنظمات النقابية الكبرى في العالم، وكانت هناك لجان عالمية للتضامن معه. هذا الاعتقال زاد من مكانة الأموي.
اكتشفنا أن الأموي كان لديه قائمة خاصة بعدد من المناضلين الذين لا يملكون قوت يومهم، وكان حريصًا على إيصال المساعدة إليهم كل شهر. لم يعثر على أي امتيازات أو ممتلكات للأموي بعد تحريات الدولة.
لم يقض الأموي السنتين كاملتين، بل حوالي سنة وبضعة أيام، ثم جاء العفو الملكي من الملك الحسن الثاني. لم تؤثر الاختبارات التي عاشها في السجون عليه سلبًا، لكن اعتقال 1992 كان له تأثير أشد على نفسيته.
كانت هناك بعض القيادات المتنفذة داخل الحزب تريد تغيير قيادة النقابة، لكن عبد المجيد بوزبع، الذي كان مقترحًا كخليفة للأموي، رفض ذلك بشهامته.
راجع الأموي حساباته بعد خروجه من السجن، وقال: "في الوقت اللي أنا مشيت للحبس، كان هناك من إخواننا من مشاجيشي الشباك ديال البنك ليتقاضى الأجر". هذه الأحداث خلفت لديه مرارة كبيرة.
الحوار الاجتماعي ومرحلة ما بعد 1995
في يونيو 1995، قادت الكونفدرالية إضرابًا عامًا من أجل الملف المطلبي والاجتماعي والإصلاحات السياسية والدستورية. فتح هذا الإضراب باب الحوار، واعتبر الحوار الاجتماعي في أغسطس 1996 أهم حوار اجتماعي في تاريخ المغرب.
لعب الأموي دورًا أساسيًا في هذا الحوار، وبدأ سلسلة من الاستشارات مع الجامعيين والخبراء. كان دائمًا يبادر إلى استدعاء الأساتذة الجامعيين المختصين في قضايا معينة لإعداد الندوات واللقاءات.
كان الأموي قامة كبيرة في المفاوضات، وكان يعرف الوزراء أنه يجلسون مع شخصية ذات وزن. كان دائمًا آخر من يتفق في النقاشات، وكانت الدولة تريد الحصول على موافقته. استطاعت الكونفدرالية أن تصل إلى أول تعاقد اجتماعي في تاريخ المغرب.
بعد العدوان على العراق عام 1996، كان للأموي دور أساسي في تنظيم أكبر مسيرة من أجل العراق في المغرب وخارجه. كسر الحصار عن العراق، وذهب إلى بغداد بطائرة خاصة محملة بالأدوية واللوازم المدرسية. كان نضاله من أجل فلسطين أيضًا مهمًا جدًا، حيث كان يعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية ومحورية في حياة الأمة العربية.
حكومة التناوب ومرحلة محمد السادس
كان الأموي حاضرًا في تهيئة الشروط لحكومة عبد الرحمن اليوسفي، لكنه لم يدعمها صراحة، ورفض أن يكون أي وزير محسوب على الكونفدرالية في الفريق الحكومي. كان يرى أن النقابة ليست نقابة الحكومة، وأن العلاقة بينهما هي علاقة تناقض. وبالفعل، قادت الكونفدرالية إضرابًا ضد حكومة اليوسفي.
كان الأموي يرى أن الشعب يجب أن يشارك في تدبير شؤونه وشؤون بلاده. كان المحيطون به يتعاملون معه كـ "البطريرك" أو الأب، مما سهل عليه نوعًا من التدبير الفردي، وزادت لديه مسؤولية "الأنا".
في المؤتمر الذي شهد خروجه من حزب الاتحاد الاشتراكي، كان الأموي مترددًا، لكنه كان مقتنعًا بقراره. بعد خروجه ومجموعة من الاتحاديين، نشأ صراع داخل الكونفدرالية، مما أدى إلى تأسيس الفيدرالية الديمقراطية للشغل عام 2002.
عاش الأموي خيانات من صفوفه داخل منظمته النقابية والحزبية، حيث تخلى عنه البعض بسبب الإغراءات أو التهديدات. شعر بالغدر الحقيقي، وقال: "أنا عاد عرفت راسي أنني أتحمل بعد ما مت".
في انتخابات 2007، كان الأموي قلقًا من استعمال المال وشراء الذمم. قرر المجلس الوطني للكونفدرالية الانسحاب الكلي من الغرفة الثانية (مجلس المستشارين)، وكان حدثًا سياسيًا مهمًا.
فتح الأموي أبواب الكونفدرالية للمعطلين والحقوقيين والمعتقلين السياسيين، وفتح الحوار مع النقابات الأخرى. في عام 2011، فتح جميع أبواب المقرات أمام حركة 20 فبراير.
تعرف عليه رئيس الحكومة بين 2011 و2017 أكثر، وكان الأموي يرفع رؤساء النقابات بثقافته وكلماته المؤثرة. كان صارمًا في المفاوضات، لكنه كان معقولًا وصادقًا. كان هاجسه هو ما يمكن أن يحصل عليه لفائدة العمال.
رغم الخصومات والصراعات مع النقابات الأخرى، استطاع الأموي أن يختم حياته بأنواع من التقارب والحوار. كان يريد توحيد الفعل النقابي والحركة الاجتماعية المغربية. كان رجلًا نزيهًا، وعاش حياة بسيطة حتى نهاية عمره.
قبل رحيله، أوصى الأموي بدفنه بجوار جدته (والدته).
Takeaways
- ولد نبير الأموي في دوار المخلخليين ببن أحمد مزاب وتلقى تعليماً في مدارس القرويين ومراكش، ما أسس وعيه الثوري منذ الصغر.
- انضم إلى حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وعمل في الاتحاد المغربي للشغل، مؤمنًا باستقلال النقابة عن توجيه الأحزاب.
- تعرض للاعتقال عدة مرات بين 1962 و1974، بما في ذلك اختطافه إلى معتقل "الكوربيس"، لكنه استمر في نشاطه النقابي بعد كل إطلاق سراح.
- أسس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في 1978 لتوفير تمثيل ديمقراطي للعمال، وقاد إضرابات كبرى في 1979 و1981 و1984.
- شارك في الحوار الاجتماعي في منتصف التسعينات وأصبح شخصية محورية في مفاوضات الحكومة، مستمراً في دعم القضايا الفلسطينية والعراقية حتى وفاته.
Frequently Asked Questions
ما السبب وراء انتقاد نبير الأموي للاتحاد المغربي للشغل بوصفه "الجهاز البورصوي المتعفن"؟
نبير الأموي انتقد الاتحاد المغربي للشغل لأنه كان يعتقد أن قيادته تخضع لتوجيهات الأحزاب وتستغل مصالح العمال لتحقيق مكاسب شخصية، مما أدى إلى فقدان استقلالية النقابة وتدهور دورها في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة وبالتالي.
كيف أثرت إضراب 20 و21 أبريل 1979 على مسار الحركة النقابية في المغرب؟
الإضراب الذي نظمته الكونفدرالية في 20 و21 أبريل 1979 أدى إلى تصعيد الوعي النقابي وتوحيد العمال تحت شعار التضامن، مما خلق نمطًا جديدًا من الاحتجاجات القومية وساهم في تعزيز قوة النقابات ضد الحكومة المغربية التي.
من هو Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية على يوتيوب؟
Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.
هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟
نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.