مازارا ديل فالو: تاريخ متعدد الثقافات وتعايش إيطالي‑تونسي
أعيش منذ ولادتي بين عالمين مختلفين، فأنا تونسية الأصل وإيطالية المنشأ. هما أرضان تحملان ندوب الحب والصراع وآثار الطلاق والانقسام، ولطالما تساءلت: هل يمكن حقًا أن يمتزج معا في مكان واحد؟
الشوارع الحجرية، الكنائس المهيبة، ورائحة البحر التي تمتزج برائحة الروبيان الطازج. فجأة وبدون إنذار، أضل الطريق. أجد نفسي غارقة في زمن آخر ومسافرة إلى عالم آخر. رائحة الكسكس المألوفة تغمر الهواء، ونداء الأذان الذي يتردد بين جدران المدينة يبدو وكأنه مكان لا ينتمي لا إلى هنا ولا إلى هناك، بل ينتمي إلى مكان معلق مثلي تمامًا.
تاريخ مازارا ديل فالو
مازارا ديل فالو مدينة ذات تاريخ عريق، حيث تعاقبت عليها حضارات مختلفة:
- الفينيقيون: أقاموا محطات تجارية.
- الإغريق: أصبحت مازارا أهم مركز تجاري لسيلينوت القوية.
- الرومان: تحولت إلى مركز محصن (أوبيدوم).
- البيزنطيون: شهدت المنطقة غارات تخريبية من الوندال.
- العرب: في 16 يونيو 827 ميلادي، نزل العرب في مازارا وبدأوا منها غزو صقلية بأكملها. اختاروا مازارا لقربها من إفريقيا وموقعها الاستراتيجي، حيث كانت بمثابة جسر يربط بين صقلية ودول المغرب العربي. قاد العرب، بقيادة الفقيه أسد بن الفرات، تحولًا جذريًا في المدينة، فجعلوها عاصمة لإحدى المقاطعات الإدارية والقضائية الثلاث التي قسموا بها صقلية، وهي "بالو دي مازارا"، ومن هنا جاء اسم "مازارا ديل فالو". هنا بدأ الإسلام والحضارة العربية في صقلية، حيث تعايش اليهود والعرب والمسيحيون اللاتين بسلام واجتهاد.
- النورمان: عند وصولهم، انبهروا بالهندسة المعمارية العربية ولم يدمروا التحصينات والمباني العربية. بل قاموا بدمج طرازهم القوطي، الذي جلبوه من شمال فرنسا (كونهم من شمال أوروبا والفايكنج)، مع الطراز العربي، مما أدى إلى نشأة أسلوب فريد يُعرف اليوم بالطراز العربي النورماني. يمكن رؤية أمثلة على ذلك في كنيسة سان نيكولو ريغال، وفي متحف الساتير حيث توجد كنيسة سانت إيجيديو التي تعود للقرن السادس عشر، ولكن قبابها تذكرنا بالطراز العربي، مما يدل على أن المدينة لم تتوقف أبدًا عن كونها عربية.
مازارا اليوم: مزيج من الثقافات
في مازارا، ترك العرب بصماتهم الواضحة، فالقصبة والشوارع التي بناها الأجداد في عام 827 لا تزال قائمة حتى اليوم. يشعر السكان بأنهم ينتمون إلى هذه المدينة، حيث أصبحت وطنهم.
قصة البحث عن الجذور
يتحدث أحد السكان عن فضوله لمعرفة شكل القلعة القديمة، بعد أن رأى لوحة فنية تصورها. كان يعرف فقط القوس المتبقي من البوابة، لكنه أراد معرفة شكلها الأصلي. بعد البحث، وجد رسومات توضيحية للقلعة التي كانت في الأصل حصنًا عربيًا، ثم حولها النورمان إلى قلعة حقيقية وأحاطوا المدينة بالأسوار.
حياة الصيادين التونسيين في مازارا
يروي أحد أبناء المدينة، وهو العاشر من بين 11 أخًا، قصة والده الذي كان يعمل في السكك الحديدية. يصف طفولته التي تزامنت مع الحرب، مما حرمه من طفولة سعيدة.
يتحدث آخر عن والده الذي جاء إلى مازارا عام 1967 للعمل في البحر، وأعجبته الحياة هناك. قضى أكثر من 55 عامًا في البحر، يقضي شهرين أو ثلاثة في البحر ثم يعود لقضاء بضعة أيام في تونس. يصف صعوبة حياة البحر، حيث كان والده يقضي معظم وقته في البحر، ويعود لأيام قليلة فقط.
بدأ العديد من الشباب التونسيين العمل في مازارا في سن مبكرة، في سوق السمك، بتقشير السمك وبيعه، ثم بيع الخضروات، والعمل في البيوت البلاستيكية، وفي الزيتون.
قصة عفاف: مساعدة المهاجرين
تتحدث عفاف عن قدومها إلى إيطاليا، حيث لم تكن تخطط لذلك. تعرفت على مسؤول جمعية في تونس، واقترح عليها القدوم للعمل معهم في رعاية العائلات التونسية المقيمة في مازارا، وخاصة النساء. لاحظت الكثير من الاحتياجات والنواقص، ورغم صعوبة العمل، قررت المحاولة لمساعدة أبناء بلدها.
بدأت الجمعية عملها في عام 2017. كان الطلب الأول من العائلات هو رعاية أطفالهم وتعليمهم ومستقبلهم. كان الطلب الآخر هو تعلم اللغة الإيطالية، حيث توجد مراكز لتعليم اللغة للكبار في مازارا وفي جميع أنحاء إيطاليا.
لاحظت عفاف أيضًا نوعية السكن للعائلات المهاجرة التي جاءت في أواخر السبعينات، والذين يعمل معظم رجالهم في البحر، والآن يعمل الكثير منهم في الزراعة.
تتحدث الأمهات عن رغبتهن في تعليم أطفالهن اللغة الإيطالية، بينما يتعلمن هن أيضًا. لا يرغبن في أن يعمل أبناؤهن في البحر، رغم احترامهم لعمل أزواجهن وإخوانهن كصيادين. يشعرن بالتعب ويرغبن في مستقبل أفضل لأبنائهن.
الشعور بالانتماء والهوية
تصف إحدى النساء شعورها بالغربة عند العودة إلى تونس، حيث لا يعرفها أحد. تشعر بأن حياتها وشبابها قضيا في إيطاليا. لكنها تشعر بالامتنان لأن أبناءها تعلموا كل شيء، ويحافظون على التقاليد والعادات، مثل رمضان والأعياد.
يتحدث آخر عن قدوم والده إلى إيطاليا عام 1975 بدون تأشيرة، واستقر في مازارا. ولد هو في إيطاليا، لكنه عاد إلى تونس لفترة ثم عاد إلى إيطاليا.
تتحدث إحدى الأمهات عن مشكلة أطفالها الذين لا يتحدثون العربية بطلاقة، حيث اكتسبوا اللهجة الإيطالية. تشعر بأنها اندمجت في المجتمع الإيطالي من خلال أصدقاء أطفالها والمدرسة.
تفضل إيطاليا كبلد للمستقبل، حيث لا تشعر بأنها ستجد مستقبلًا جيدًا في تونس.
التعايش في مازارا
تصف إحدى النساء كيف تغيرت نظرة الإيطاليين للتونسيين بمرور الوقت. في التسعينات، أصبحوا أصدقاء، وأصبح الأطفال يلعبون كرة القدم معًا.
تتحدث عن صعوبة تحديد الهوية، حيث يشعر الشخص بالغربة في تونس وإيطاليا على حد سواء. لكنها تختار مازارا دائمًا، لأنها تمثل ثقافتها ودينها.
رمضان في مازارا: جسر بين عالمين
في رمضان، يصبح الأمر أقل غموضًا. خارج القصبة، يسير كل شيء كالمعتاد خلال النهار، مع صخب الأسواق والمحلات. أما داخلها، فالشوارع هادئة وفارغة. لكن في المساء، تنقلب الصورة. المساجد تفيض بالمصلين، وتتداخل أصوات الناس في المقاهي وأصوات الأطفال تعانق الأزقة الضيقة. يبدو وكأن رمضان يحمل عهدًا خفيًا يحفظ هذا التوازن بين عالمين متقابلين.
يتبادل الجيران التونسيون والإيطاليون الزيارات والوجبات خلال الأعياد. يتبادلون الأطباق، مثل الكسكسي التونسي والباستا الإيطالية، مما يخلق مزيجًا فريدًا من الثقافات.
يتساءل الكثير من الإيطاليين عن رمضان وعادات الصيام، ويتعلمون من جيرانهم التونسيين. الكسكسي هو الطبق المفضل لديهم، ويعتقدون أن التونسيين يتقنون صنعه أكثر منهم.
مازارا: فسيفساء من الأمل والتحديات
مازارا، بجذورها العميقة التي تغوص في البحر الأبيض المتوسط، وأغصانها التي تمتد نحو آفاق مجهولة، تبدو كفسيفساء من الأمل والتحديات والوعود. هل ستظل هذه المدينة، بتعقيدها، منارة للتعايش؟ ربما الإجابة ليست في الشوارع أو الجدران، بل في قلوب من يملكون الجرأة لتخيل عالم حيث التنوع ليس عبئًا يجب تحمله، بل جمالًا يحتفى به.
Takeaways
- تاريخ مازارا يمتد من الفينيقيين إلى العرب والنورمان، مع بقاء البنية العربية في المدينة حتى اليوم.
- النورمان دمجوا الطراز القوطي مع العمارة العربية، ما أدى إلى ظهور الطراز العربي‑النورماني الفريد في معالم مازارا.
- الجالية التونسية في مازارا تعمل في الصيد والزراعة وتواجه تحديات الهوية بين إيطاليا وتونس.
- خلال شهر رمضان، يتقاسم السكان الإيطاليون والتونسيون الأطباق والعادات، مما يعزز التفاهم الثقافي بينهما.
- مبادرات مثل جمعية عفاف التي تأسست عام 2017 تساعد المهاجرين على تعلم اللغة الإيطالية وتوفير رعاية للأطفال، داعمةً الاندماج الاجتماعي.
Frequently Asked Questions
ما هو الطراز العربي‑النورماني الذي ظهر في مازارا ديل فالو؟
الطراز العربي‑النورماني هو مزيج من العناصر المعمارية العربية مثل القباب والأقواس مع تفاصيل القوطي التي جلبها النورمان من شمال أوروبا، وقد تجسد هذا الأسلوب في مباني مازارا مثل كنيسة سان نيكولو ريغال ومتحف الساتير، مما يبرز التلاقي الثقافي للمدينة.
لماذا يعتبر رمضان جسرًا ثقافيًا بين المجتمع التونسي والإيطالي في مازارا؟
رمضان في مازارا يصبح جسرًا بين المجتمعين لأن الصلوات والمساجد تجذب السكان التونسيين بينما يشارك الإيطاليون في الوجبات المشتركة مثل الكسكسي والباستا، مما يخلق تواصلًا يوميًا بين الثقافات ويعزز الفهم المتبادل خلال شهر الصوم المقدس.
من هو Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية على يوتيوب؟
Al Jazeera Documentary الجزيرة الوثائقية قناة على يوتيوب تنشر مقاطع فيديو حول مواضيع متنوعة. تصفح المزيد من ملخصات هذه القناة أدناه.
هل تتضمن هذه الصفحة النص الكامل للفيديو؟
نعم، النص الكامل لهذا الفيديو متاح في هذه الصفحة. انقر على 'إظهار النص' في الشريط الجانبي للاطلاع عليه.